العين الثالثة || ضياء الدين بلال

الوسطاء يمتنعون!

-1-
ستُدرك قوى الحرية والتغيير، ولو بعد حين، أنها أضاعت كثيراً من الفرص التي أُتيحت لها أمام مرمى المجلس العسكري، بالتعجل أحياناً، والبطء مرَّات .
تبدو قوى التغيير مُرتبكة ومُشوَّشة، وغير قادرة على جمع كلمتها على صعيدٍ واحد، كأنها تقف على أرض مُهتزَّة بأقدامٍ مُرتجفة .
أكثر ما يُهدِّدُ جماهيرية تلك الكيانات، فقدان المصداقية وضعف التعبير عن المواقف.
-2-
في مسيرة الاحتجاجات التي تجاوزت الأربعة أشهر، كان مصدر قُوَّة تجمع المهنيين، إيفاءه بوعوده التظاهرية في الميقات المُحدَّد والمكان المعلوم.
الآن قوى التغيير تُبدِّدُ ذلك الرَّصيد من الثقة، حين لا تلتزم بما تقول وتتغافل عن ما تَعِد.
في الأيام الأولى، ما بعد سقوط البشير، كان موقف قوى التغيير المُعلن بوضوح وحسم، أنها لن تتفاوض مع المجلس، بل ستُقدِّم له مطالب متعلقة بنقل السلطة للمدنيين وعليه الاستجابة.
لم تمضِ أيَّامٌ حتى انخرطت قوى التغيير في حوار دائري مع المجلس، بلا سقف زمني وبأجندة مفتوحة على المطلق.
-3-
حينما تعسَّر الحوار، أعلنت قوى التغيير تجميد الاتصال مع المجلس، ولكن لم يصمد ذلك القرار لساعات.
دعت قوى التغيير لمُؤتمر صحفي في ميدان الاعتصام، وسبقت ذلك بوعد أنها ستُعلن أعضاء سُلطتها من طرف واحد.
احتشد الآلاف ونُصِبَت الكاميرات في انتظار تنفيذ ذلك الوعد، ولم تُنفِّذ قوى التغيير ما وعدت به، وأرسلت من هناك وعداً آخر بأن يتم الإعلان بعد أيام قلائل، ومضت الأيام ولم يحدث شيء!!!
-4-

أخيراً، أثقلت قوى التغيير على نفسها، حينما التزمت بعقد مؤتمر صحفي يومي، بغضِّ النظر عن المستجدات.
قبل يومين، كتبتُ على صفحتي بـ(الفيسبوك) عقب انتهاء مؤتمر صحفي لتجمع المهنيين: لا أعرف ما جدوى هذا المؤتمر الصحفي، إذا لم يكن يعرض موقف قوى التغيير من ردِّ المجلس على الوثيقة الدستورية؟!
دكتور أمجد فريد قال في المؤتمر: (جانا رد المجلس لكن لسه ما فتحنا الظرف)!!!
لماذا يظهر تجمع المهنيين ككيان مُوازٍ لقوى التغيير، لا كجزءٍ منها؟!

كان يكفي تجمع المهنيين أو قوى التغيير، تغريدة واحدة على صفحتها، تُلخِّص خلالها ما تُريد قوله.
عقد المؤتمرات الصحفية بلا جدوى سياسية وإعلامية، سيُضعف الخطاب ويُقلِّل الاهتمام بالأقوال والمواقف.
-5-

الأداء الضعيف والخطاب المُضطرب والرؤية المُشوَّشة، نقلت زمام المبادرة من قوى التغيير إلى المجلس العسكري.
المجلس يبدو الآن أكثر تماسكاً وتجانساً بين عُضويَّته، بل من الواضح أنه يملك مطبخاً سياسياً وإعلامياً، يُمكِّنه من شراء الوقت وتوسيع هامش المُناورة واستغلال الفرص، التي تتيحها قوى التغيير أمام مرماها .
مع عامل الوقت وتكاثر الأخطاء من قوى التغيير، قد تأتي لحظة تجد أن البساط قد سُحِبَ من تحت أقدامها لمصلحة قيادة جديدة تُنتجها تفاعلات ميدان الاعتصام!!!
-أخيراً-
مع كل ذلك بإمكان المجلس أن يكسب معركته التكتيكية مع قوى التغيير، ولكنَّه سيخسر استراتيجيّاً إذا توهَّم أن بإمكانه الالتفاف على مطالب الجماهير، بتبديد الطاقة الثورية وإشعال التناقضات داخل قوى التغيير .
لن يستطيع المجلس أو غيره إدارة السياسة بالطريقة القديمة، عبر السيطرة الأمنية وإضعاف الخصوم.
درجة الوعي بالحقوق والشجاعة في المُطالَبة بها، ستكون حارساً أميناً للمُكتسبات التي تحقَّقت، مع وجود لافتة حمراء على الشارع العريض مكتوب عليها: الوسطاء يمتنعون.

اترك رد