مبارك الفاضل.. معلومات اللحظات الأخيرة للرئيس المخلوع

الخرطوم : عبدالباسط إدريس – مشاعر أحمد

لثلاث ساعات متتالية تحدث رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل في مؤتمر صحفي أمس، عن الأزمة السياسية الراهنة وآفاق الحلول ووضع رؤية لمخرج آمن، وألحق حديثه بالأمن القومي السوداني السياسي والاقتصادي وعلاقة السودان مع الجوار العربي و الإفريقي.

البشير إلى مسقط
مبارك الفاضل كشف عن زيارة خارجية قام بها، أيام الاحتجاجات الشعبية، وقال إنه أجرى اتصالات داخلية وخارجية سرية، تركزت حول شرح الوضع الداخلي وطلب إيقاف أي دعم للبشير طيلة الأشهر الأربعة التي سبقت سقوطه. وأضاف :” بعض الدبلوماسيين قالوا لنا التظاهرات صغيرة والبشير قوي” وزاد :” قلت لهم ما يجري الآن من تظاهرات هي حرب استنزاف، وتشتيت قواته والبشير ستكون لديه فواتير الصرف على القوات التي تلاحق التظاهرات وفواتير القمح والدواء والوقود ستنهار القوات وسينحاز الجيش للشعب”. وقال مبارك إنه أقنع القوى الخارجية وطلب منهم منح البشير مخرجاً. وأضاف :” قالوا لنا لا نستطيع إعفاءه من المحكمة الجنائية وإذا ذهب لأي دولة سنعلن موقفاً لكننا لن نتخذ أي إجراء”. وكشف مبارك عن الخطة التي اعتمدت لإخراجه من السلطة عبر الاتحاد الإفريقي ، وتقرر إرسال رئيس له لإخباره بالتنحي، وحضر سفير لمقابلة البشير وأخبره بأنه يحمل عرضاً لمخارجته عن السلطة مقابل دعم السودان ” وزاد:” ثم حضر المصريون وأخبروه بضرورة التنحي قبل يوم الثامن من إبريل، وأن عليه التوجه إلى مسقط عاصمة سلطنة عمان وأنهم سيحضرون الطائرة التي ستقله إلى هناك” وقال مبارك :” البشير وافق على ذلك ولكنه عدل عن رأيه”.
وكشف عن محاولة انقلابية تم إخمادها الأيام الماضية ” دون الخوض في تفاصيل”. وأشار إلى وجود إسلاميين في القوات المسلحة لكنهم أدركوا بالفعل سقوط النظام وأن البشير لا يستطيع علاج الأزمة الاقتصادية وفك الحصار عن السودان وإيقاف الانهيار العام، وأدركوا أن مسألة التمكين والمشروع الحضاري قد انتهيا وهم قبلوا دولة سودانية للجميع بشرط عدم عزلهم لانتمائهم، وأضاف أن الجيش هو صاحب التأسيس لعملية الانتقال، لأن البشير نقل لهم السلطة بقانون الطوارئ.
ودعا الفاضل قوى الحرية والتغيير للاعتراف بالجيش كشريك فى الانتقال وقال ” السياسيون الآن يركضون جميعهم تجاه الكرة دون أن يقف كل أحد في خانته ويقوم بواجبه، والركوض خلف الكرة سيفشل الجميع”.
وقال إن حالة الفراغ الأمني والسياسي يجب ألا تستمر لأنها ستذهب بالبلاد إلى ” الآخرة” لأن الوضع الأمني بالبلاد غير طبيعي لانتشار المليشيات والسلاح، وتابع ” الحكومة السابقة التي حكمت 30 عاماً الماضية لم تكن تلعب فى سيجة، وليس هناك خلاف بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري ولكن هناك عدم خبرة من قوى التغيير بشؤون الدولة” .
وأضاف مبارك الفاضل ” إذا لم تنته هذه الحالة سنكون كلنا كسياسيين مع البشير فى سجن كوبر”.

تشخيص المشكلة
مبارك الفاضل لخص المشكلة القائمة بين إعلان الحرية والتغيير وتجمع المهنيين والمجلس العسكري من الجهة الأخرى وبقية القوى التي ساندت وشاركت في الثورة ولم توقع على إعلان الحرية والتغيير في أربعة محاور أولها الأجندة الحزبية الضيقة التي هزمت المصلحة العامة، وضعف المعرفة والخبرة بقضايا الحكم وتأسيس سلطة انتقالية، وكذلك عدم الاعتراف بالمجلس العسكري كشريك في التغيير فضلاً عن عدم إدراك الواقع المعقد في البلاد المتمثل في انتشار الميلشيات والسلاح ووجود معظم قيادات و كوادر الإنقاذ طلقاء.
وأشار مبارك إلى أن المجلس العسكري الانتقالي تولى السلطة وأصبح شريكاً أصيلاً في التغيير، إلا أن قوى إعلان الحرية والتغيير تريد أن تتجاوز الواقع وعدم الاعتراف به، الأمر الذي جعلها تطالبه بتسليم كل السلطة منفرداً، بصفتها الجهة التي قامت بالثورة منفردة، موضحاً أن قوى الحرية قدمت تصوراً للمجلس العسكري دون تحديد دستور يحكم فترة الانتقال ووصفه بالإنشائي.
وصف الفاضل الوثيقة الدستورية التي قدمتها قوى الحرية والتغيير بـ(المعيبة) لا تستند إلى الدستور، مضيفاً أن قوى الحرية أعطت نفسها صفة دستورية بدون تفويض شعبي لتعين مجلس الوزراء والحكومة والمجلس التشريعي متجاوزة الشريك الذي اقتلع السلطة والممسك بها الآن، وتجاهلت أيضاً القوى السياسية التي ساندت وشاركت في الثورة.
وأضاف أن رفض المجلس العسكري للوثيقة الدستورية أظهر إعلان الحرية بدرجة عالية من عدم الخبرة والمعرفة بقضايا الحكم والدولة، كما ثبت ضعف وحدة الإعلان و تماسكه كتحالف.

أخطاء المجلس العسكري:
وأوضح مبارك أن المجلس العسكري ارتكب سبعة أخطاء أولها تجميد العمل بدستور 2005م، وعدم اعتقال رموز الفساد من أعضاء المؤتمر الوطني والتحفظ على أسمائهم بل سمح لعدد منهم بالسفر إلى الخارج، وكذلك عدم الشفافية حول مصير رأس النظام ورموزه السابقين، وتابع: من الأخطاء أيضاً دعوته لأحزاب صورية حليفة للنظام حتى لحظة سقوطه للتشاور والحوار، وكذلك عدم إسقاط الأحكام الصادرة على قادة الحركات المسلحة وعدم إطلاق سراح الأسرى منهم لتمهيد الأرضية للسلام، فضلاً عن عدم إلغاء قانون النظام العام سيئ السمعة والمخالف للدستور المادة (37).
أخطاء قوى الحرية والتغيير
اعتبر مبارك الأخطاء التي ارتكبتها قوى الحرية أخطاء استراتيجية فادحة أضعفت موقفها التفاوضي، وذكت الخلافات في داخلها، وهزت صورتها، وذكر أن أهمها مناطحة الواقع ورفض الاعتراف بالدور المفتاحي المهم للقوات المسلحة في إنجاح الثورة، والاعتراف والتعامل مع المجلس العسكري كشريك أساسي في تشكيل وممارسة السلطة الانتقالية، مضيفاً أن الخطأ الثاني فشل القوى في تقديم مشروع للانتقال، مما جعل الأولويات تغيب في المفاوضات مع المجلس العسكري، وكذلك عدم تنفيذ التزام الإعلان مع القوى التي شاركت في الثورة، بالإضافة إلى الدعوة إلى إقصاء كل القوى التي شاركت في الثورة ولم توقع على الإعلان.
وقطع مبارك بأن الإعلان تجاهل مطالب الثوار المتمثلة في تصفية نظام الإنقاذ، و تجاهل وغيب الاهتمام بقضية السلام و معاش الناس.

حلول مبارك:
ووضع مبارك الفاضل ستة حلول للوضع الراهن أولها فك التجميد عن دستور 2005 م مع إلغاء كل التعديلات التي أدخلتها الإنقاذ عليه، و إصدار مرسوم دستوري بهيكل الحكم الانتقالي، مقترحاً أن يقوم المجلس العسكري بتسمية رئيس لمجلس الوزراء فوراً من بين الترشيحات المقدمة له بعيداً عن اليسار أو اليمين، وأن يشرع رئيس الوزراء المكلف بالتشاور مع القوى السياسية والمهنية والمجلس العسكري لتشكيل الحكومة في فترة لا تتجاوز الأسبوع من تكليفه، وأن يشكل المجلس الأعلى للسلام عاجلاً من المجلس العسكري والحركات المسلحة وقوى الثورة وتكون قراراته ملزمة للحكومة والمجلس العسكري.
في وقت قدم فيه مبارك نداءً لتحالف إعلان الحرية وتجمع المهنيين بالتواضع وإدراك الواقع السياسي والمخاطر التي تحيط بالثورة، والظرف الاقتصادي المتردي الذي تعيش فيه بلادنا، داعياً إياهم لرص الصفوف وتوحيد الكلمة حتى تخرج البلاد من خراب الشمولية إلى رحاب السلام والحرية والديمقراطية.

علاقات الجوار:
يرى مبارك الفاضل أن علاقات البلاد مع دول الخليج علاقة قوية وحميمية وساهمت الدول في تمويل البنيات الأساسية في السودان، مشيراً إلى أنها تبدلت في عهد الإنقاذ إلى توجس ومواجهة وقطيعة بسبب الأجندة الحزبية التي سار عليها النظام البائد، موضحاً أن العلاقة مع مصر والسعودية والإمارات والكويت وسائر دول الخليج كانت وستظل علاقة استراتيجية تشكل ركناً مهماً من أمن البلاد القومي، مطالباً بالابتعاد عن الأجندة والصراعات الحزبية الضيقة، وناشد السعودية والإمارات والكويت بتقديم تمويل تنموي للنهوض بالاقتصاد السوداني من خلال صندوق مشترك يمول المشروعات الاستراتيجية المهمة.
ودعا مبارك إلى بناء محطات كهرباء بسعة أربعة آلاف ميقاوات لسد النقص الحاد ويبدأ الربط الشبكي بين مصر والسودان للاستفادة من الفائض المصري في مجال الكهرباء والغاز، بالإضافة إلى تمويل خطة تحديث وتطوير القطاع الزراعي، مطالباً السودان بالدخول مع الدول في شراكة لتطوير إنتاج البترول والذهب والنحاس والحديد بمناجم أرياب، مقترحاً أيضاً تمويل إعادة تأهيل القطاع الزراعي المروي في السودان الذي يغطي خمسه ملايين فدان حتى يساهم في سد احتياجات العالم العربي من الغذاء، وأكد أيضاً إمكانية قيام شراكة سودانية سعودية مصرية وإماراتية لزراعة مليون فدان تروى من خزان ستيت.

اترك رد