تراسيم || عبدالباقي الظافر

الحكمة ضالة الثوار…!!

لم يكن الضابط العظيم يدرك أن الثوار أغلقوا شارع النيل بالكامل.. توقفت عربته البيضاء عند أحد المتاريس.. دخل في نقاش ودود وهادئ مع بعض الشباب.. لكن حسب مقطع الفيديو كانت هناك أصوات متحمسة تحاول أن تفجر المشهد.. في النهاية انتصر الصوت العاقل وانسحب الضابط وهو يحمل في نفسه شيئا من حتى.. لن تكتمل الصورة إلا إذا استحضرنا السيناريو الأسوأ.. ماذا كان سيحدث لو أن هؤلاء الشباب أو بعض منهم اعتدوا بدنيا على الضابط المعني؟.. وكيف سيدافع عن نفسه إن كان يحمل سلاحا ناريا؟.. حينما يستنصر كل فريق بشيعته يحدث سيناريو الفتنة الكبرى.
بدأت بالأمس مساعٍ حثيثة لتوسيع دائرة الاعتصام ليصل تخوم شارع النيل.. العقل السياسي لتجمع المهنيين يعتقد أن هذه الخطوة ستجعله يضغط على المجلس العسكري في سبيل حصد مزيد من التنازلات.. وفي ذات الوقت تعظم من ثقله السياسي بين مكونات تحالف قوى الحرية والتغيير.. عادة في ظروف التفاوض الضاغط لا يفضل استخدام أسلحة الردع بل يحبذ التلويح بها.. في يد تجمع المهنيين العصيان المدني والإضراب السياسي.. لكن استخدام أي من السلاحين في غير وقتهما يمكن الطرف الآخر من اكتساب مناعة طبيعية.. حتى هذه اللحظة من يؤخر التفاوض مع المجلس العسكري هو تحالف الحرية والتغيير.. في الاتجاه الآخر التصرفات الفردية لأي مكون من مكونات التحالف الواسع يزيد من مساحة عدم الثقة والتي في نهايتها تعني إضعاف الموقف التفاوضي للتيار المنادي بمدنية السلطة.
بل ربما يكون من مصلحة العسكر امتداد رقعة الاعتصام.. حيث يظهر المعتصمون في شكل جماعات متفرقة يصعب السيطرة على تفاصيل تصرفاتها.. الوصول إلى شارع النيل حيث الماء والظل والوجوه الحسناء يفقد رمزية مكان اعتصام الناس قرب قيادة الجيش.. كما أن اتساع رقعة الاعتصام يعطل مصالح الناس العاديين والذين هم قطاع واسع ومرجح في قادم الأيام.. بهذه الحسبة يكون توسيع مساحة الاعتصام قرارا يحتاج لإعادة النظر.. بل ربما يصبح مؤشرا لضعف قبضة تحالف الحرية والتغيير على المسرح الثوري.
من المهم جدا أن يدرك مؤيدو الحراك السلمي المفضي إلى الديمقراطية والحرية أنهم أمام اختبار.. وأن هناك كتلة شعبية كبيرة وليست مسيسة بل تجنح هذه الكتلة نحو التفكير العملي.. حيث تنزعج من أحداث تحمل مؤشرات انفراط الأمن.. وتخاف من أي تغيير لا يراعي مصالحها.. هذه الكتلة غير المسيسة هي التي خرجت بالألوف إلى الشوارع في يوم السادس من أبريل التاريخي.. هذه الكتلة ستحمل قوى التغيير أي إخفاق يتعلق بشح الخدمات أو انقطاع التيار أو حتى ارتفاع الأسعار.. أنصار المجلس العسكري وبتخطيط إعلامي ماكر يحملون قوى التغيير حالة الشلل والعجز التام في مرافق الدولة.
في تقديري من المهم جدا الآن أن يضطلع تحالف الحرية بدوره في إكمال البنيان الديمقراطي.. لا أجد أي مبرر في الفشل في اختيار قيادة مركزية تتولى إحكام التنسيق واتخاذ القرارات الصعبة.. التأخير في حسم التفاوض مع العسكر يصعب من مهمة تمدين السلطة السياسية.. أي قرار اتخذه المجلس العسكري يشكل سابقة يصعب التنازل منها في المستقبل.. لهذا من المهم التفكير بشكل عقلاني وخطوات مدروسة وأصوات متناغمة.
بصراحة.. ما حدث ويحدث في الأيام الماضية لا يعبر عن روح الثورة.. النضال ضد الإنقاذ لا يمنح المناضلين شيكات على بياض.. بل هذا المناخ ربما يغري أصحاب الأجندة والمطامع الشخصية لإعلان بيان رقم واحد حديد بحجة أن الفوضى قد ضربت بأطنابها.. أو يعود النظام القديم عبر واجهة جديدة. عندها ستلتزم الكتلة الصامتة الهدوء بسبب خيبة الأمل في فرسان الثورة.

اترك رد