الدولة العميقة.. معارك الظلام

الخرطوم : هبة علي

رغم سقوط نظام الإنقاذ، إلا أن دولته العميقة ما تزال قائمة، وتتربص دائماً بالثورة، واتهمها المجلس العسكري بالوقوف وراء الأزمات الأخيرة المفتعلة من أزمة كهرباء ومياه ووقود، مؤكداً أن عملية تفكيك الدولة العميقة لنظام المخلوع البشير تتطلب نحو خمسة أعوام، وقال الناطق الرسمي باسم المجلس، شمس الدين الكباشي: لا ننكر وجود الدولة العميقة، وهذا ما يجعلنا نستعجل تكوين الحكومة المدنية الانتقالية.. فماذا تريد الدولة العميقة؟

أبرز مشاهد الدولة العميقة
الدولة العميقة مصطلح برز بشدة في الدولة السودانية عقب تكاثر الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، بيد أنها تسيدت المشهد تماماً في أعقاب نجاح ثورة ديسمبر 2019م.. وتعرفها الموسوعة بأنها أي الدولة العميقة أو الدولة المتجذرة أو دولة بداخل دولة، باعتبارها مفهوماً شائعاً غير اختصاصي يستخدم لوصف أجهزة حكم غير منتخبة تتحكم بمصير الدولة كالجيش أو المؤسسات البيروقراطية المدنية أو الأمنية أو الأحزاب الحاكمة. ويذهب التعريف إلى أنها قد تتكون بهدف مؤامراتي أو بهدف مشروع كالحفاظ على مصالح الدولة كنظام حكم. فضلاً عن أنه يفترض بأن للدولة العميقة عناصر موجودة في مؤسسات ومفاصل الدولة المدنية والعسكرية والسياسية والإعلامية والأمنية، وتستطيع هذه العناصر التي تعمل صوب أهداف مشتركة من التأثير وتوجيه مؤسسات الدولة الرسمية وقراراتها السياسية.. وعددت الموسوعة نماذج حية لدولة عميقة في الراهن كالدولة العميقة أو المتجذرة في تركيا، والدولة العميقة في الولايات المتحدة ممثلة في وكالة الأمن المركزي واللوبيات، وفي مصر كالجيش وكبار رجال الأعمال.
وربما تكون كبعض الأحزاب والجماعات التي تتصرف كأنها دولة لكن ضمن حدود دولة معترف بها.
في الخرطوم برزت الدولة العميقة في جهاز الشرطة في مشهد مباشر عبر عنه منسوبو الشرطة بهتافهم لإقالة قيادات الشرطة لدى مخاطبة نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو (حميدتي)قيادات الشرطة قبيل إضراب تجمع (نقيب فما دون).. ويبدو أن المجلس العسكري وفي سياق ممارساته لاختصاصه العسكري والأمني، استجاب لمطالبات صغار الضباط والأفراد من ضباط صف وجنود الشرطة ليصدر قراراً بإجراء تعديلات واسعة في قوات الشرطة ضمن الهيكلة الجديدة، وشملت التعديلات تعيين الفريق أول عادل بشاير، مديراً عاماً للشرطة السودانية، والفريق الطريفي إدريس نائباً له، بعد إعفاء المدير السابق ونائبه. وتضمنت القرارات أيضاً ترقية عدد من ضباط الشرطة لرتبة الفريق، كما صدرت قرارات بإحالة 29 لواء و14 عميداً ومقدمي شرطة للمعاش، وفصل نحو 255 ضابط شرطة من رتبة الملازم والملازم أول.
كذلك برز مشهد الدولة العميقة في أعقاب حديث المجلس العسكري عن أن قطوعات المياه والكهرباء وأزمة الوقود غير مبررة وأن من يقف وراءها منسوبو الدولة العميقة، ليتكشف ذلك لـ(السوداني) في حادثة إطلاق الرصاص على أحد مواطني الحتانة في أعقاب احتجاجات من مواطني المنطقة على انعدام المياه، ليكتشف مواطنو المنطقة أن ثمة مؤامرة قادها بعض أعضاء اللجنة الشعبية الأمر الذي ساهم في إغلاق بعض بلوف المياه فيما تم صب بلوف أخرى، ليتأكد أن معاناة المواطنين يقف خلفها منسوبو النظام البائد، وتتجلى عملية التصدي لهم بموقف موظفي شركات الكهرباء وإضرابهم المعلن لإجبار المدير العام ونوابه لتبرير انقطاع التيار الكهربائي، ومؤتمرهم الصحفي الذي طالبوا من خلاله بإقالة قيادات النظام البائد ومنسوبيه في مؤسسات الكهرباء..

ارتباط مصالح
المحلل السياسي د. ناصر السيد أكد في حديثه لـ(السوداني) أن الدولة العميقة هي هالة سياسية لأشياء لها أبعاد أكبر من حزب المؤتمر الوطني، قاطعاً بأن الوطني انتهى وجوده بسقوط النظام وأصبح ماضياً، وكذلك لن يكون له وجود في المستقبل ولن تقوم له قائمة. وعزا ذلك إلى طبيعة ارتباط الأعضاء بالحزب التي وصفها بعلاقة المصالح لا العمل السياسي. وأضاف: المؤتمر الوطني في أوج عنفوانه كوُن دولة سطحية جداً تترابط فيما بينها بالمصالح، فكيف له أن يصبح دولة عميقة بعد أن ولت كل هذه المصالح بدون عودة؟!! .

أيديولوجيات مسيطرة
القانونية د.زحل الأمين وصفت الدولة العميقة في حديثها لـ(السوداني) بدولة التمكين التي فرضت أيديولوجياتها مسيطرة بها على السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، موضحة أن الدولة العميقة هي دولة داخل دولة أو دولة موازية تعمل على ضمان استمرار مصالحها في ظل النظام الجديد وتحاول خلق حالة فوضى وبلبلة من خلال بعض الممارسات الأمنية والاقتصادية لتثبت بذلك للمواطن أنها كانت أفضل حالاً. وترى زحل أن الدولة العميقة تعمل على عرقلة سير عمل الدولة لغاية تعطيل دور القانون والمحاسبة كي تظل في الجانب الآمن بعيداً عن المساءلة.

اترك رد