الإنترنت والبنوك.. الموقف الآن

الخرطوم: الطيب علي – مشاعر أحمد

نحو أكثر من (11) يوماً توقفت خدمة الإنترنت بالبلاد بأمر المجلس العسكري، و عاد البعض إلى خدمة الرسائل القصيرة وحتى الأخبار أصبحت توزع للإعلام مكتوبة على الأوراق.
قطع الخدمة، انعكس سلبياً على انسياب الخدمات المرتبطة بالشبكة العنكبوتية. (السوداني) سعت لبحث تأثير انقطاع الخدمة على القطاع المصرفي والمالي.

ظروف استثنائية
خبراء تقنيون ومصرفيون واقتصاديون وصفوا تأثر القطاع المصرفي والمالي بقطع خدمات الانترنت، بالمحدود، مشيرين إلى أن معظم الخدمات البنكية تعمل حالياً بشكل عادي خاصة الصرافات الآلية والمقاصة الإلكترونية . وقال الخبير الاقتصادي د. محمد الجاك في حديثه لـ(السوداني) إن انقطاع الإنترنت في الظروف العادية ينعكس على مختلف القطاعات خاصة الخدمات، مشيراً إلى أن الظروف الاستثنائية الخاصة بالبلاد حالياً أسهمت في اتجاه السلطات لقطع الإنترنت، لافتاً إلى أن التأثيرات ستكون أكبر في حال كانت التعاملات المصرفية في وضعها العادي مع الخارج.. وتوقع الجاك أن يكون لحجب الإنترنت آثار في التعاملات الداخلية خاصة مع الجمهور الذي يتعامل مع المصارف حالياً، مشيراً إلى المشكلات الكبيرة التي يعانيها الجهاز المصرفي خاصة جراء الحظر الأمريكي على البلاد، مضيفاً أن النشاط الداخلي شبه مشلول خاصة في التعاملات التجارية والإنتاجية إضافة إلى مشكلات نقص السيولة النقدية التي انعكست سلبياً على التعاملات الداخلية في البيع والشراء متوقعاً أن تكون الخسائر في القطاع المصرفي بالمليارات في التعاملات الداخلية.

تأثير محدود

واستبعد الخبير المصرفي عثمان التوم فى حديثه لـ(السوداني) تأثر القطاع المصرفي كثيراً بانقطاع الإنترنت، وقال إن معظم الخدمات البنكية تعمل حالياً خاصة المقاصة الإلكترونية ونقاط البيع إضافة لخدمات معرفة الرصيد وكشف الحساب إلى جانب الخدمات الأخرى.
وأكد مسؤولو التقنية المصرفية بالمصارف الكبرى العاملة بالسودان محدودية أثر انقطاع الإنترنت على القطاع المالي والمصرفي في البلاد رغم اعتماده الكلي عليه في تقديم خدمات السحب من الصراف الآلي والشراء عبر البطاقات الذكية وتحويل الأموال عبر السويفت وفتح الاعتمادات.
وقال القيادي بإدارة التقنية المصرفية ببنك أم درمان الوطني عبدالله خوجلي لـ(السوداني) إن المصارف لم تتأثر كثيراً بالقطوعات التي نفذها المجلس العسكري الإنتقالي على الإنترنت لأن غالبها يعمل بخدمة الفايبر.
غير أن خوجلي أشار إلى أن القطوعات أثرت على الخدمات التي تقدمها المصارف للعملاء كخدمة الإنترنت (بانك) والموبايل (آبليكيشون) والموبايل المصرفي ، لافتاً إلى أن التعامل المصرفي عبر الفايبر منشط في العمل الإداري الداخلي غير أنه لا يمكن الاستفادة منه في التعامل مع العملاء الذين كانوا يعانون من قطوعات الإنترنت، داعياً العملاء للاستعانة بخدمة الرسائل النصية القصيرة (S.M.S) لعدم حاجتها للإنترنت.

الصرافات لم تتأثر
وقال خوجلي إن الصرافات الآلية لم تتضرر كذلك من توقف الإنترنت لأن غالبها يعمل بنظام الـ(ويرليس) ولا تحتاج إلى خدمة الإنترنت بينما البعض الآخر منها يرتبط بشبكات عبر فروع المصارف والتي تعمل بخدمة الفايبر، نافياً توقف الصرافات عن العمل بسبب هذه المشكلة.
وأوقف المجلس العسكري الانتقالي خدمة الإنترنت الأرضية في البلاد يوم الإثنين 3 يونيو 29 رمضان، يوم فض الاعتصام أمام القيادة العامة، ولوح المتحدث باسم المجلس العسكري شمس الدين كباشي بعدم إعادة خدمة الإنترنت في الوقت الحالي، باعتباره “مهدداً للأمن القومي”. وقال عبدالله خوجلي إن البنوك لا تملك خطوطاً بديلة للاستعانة بها حال انقطاع الإنترنت العام بالبلاد.

يشل الحركة
وقال المدير السابق لشركة الخدمات المصرفية الإلكترونية د. عزالدين كامل لـ(السوداني) إن انقطاع الإنترنت يشل حركة القطاع المالي والمصرفي بالسودان لاعتمادها الأكبر عليه في نشاطها، مشيراً لأهمية وجود شبكات احتياطية للإنترنت يمكن التحول تلقائياً إليها حال حدوث أي مشكلات وكوارث أو انقطاع الشبكة الرئيسية للإنترنت بالبلاد.
وأشار كامل إلى تنسيق مسبق بين الهيئة القومية للاتصالات مع شركات الاتصالات لإنشاء شبكات احتياطية أسوة بما يحدث في الدول الأخرى.

(لن يعود قريباً):
رغم الخسائر المالية التي تكبدتها شركات الاتصالات بسبب فصل الشبكة وطبقاً لتقارير إعلامية فإن الخسائر قدرت بـ(10) ملايين دولار في اليوم، وأن أكثر الشركات تضرراً هي شركة زين وتلتها الشركات الأخرى.
ذات التقارير أوضحت أن (25) مليون شخص بالبلاد يستخدمون الإنترنت، بمعدل استهلاك قدر بـ(700) تيرابايت في اليوم.
إلا أن المجلس العسكري صرح عبر ناطقه الرسمي الفريق شمس الدين الكباشي بعدم عودة الإنترنت في الوقت الحالي، قائلاً: “لن يعود قريباً لأنه يهدد الأمن القومي”.
وقال خبير بمواقع التواصل الاجتماعي إن الإنترنت من الحقوق الأساسية للمواطنين، مضيفاً أن الدول المتقدمة وبعض الدول العربية تعتبر مقاطع الفيديو دليلاً يمكن الأخذ به في المحاكمات خصوصاً أن هناك برمجيات يمكنها معرفة تاريخ تصوير الفيديو، وزاد: أدى قطع الإنترنت عن السودان بواسطة السلطات لإعاقة نشر كثير من الفيديوهات والصور التي وثقت أحداث القيادة العامة وبالتالي يساهم هذا الفعل في تعطيل محاسبة المتسببين بالجريمة وإتاحة الفرصة لهروبهم وإزالة الأدوات والعبث بمسرح الجريمة مكان الاعتصام لذلك لا بد من عودة الإنترنت حتى يتم الأخذ بكل الأدلة.

(رؤية قاصرة):
لم يصمت المواطنون عن حقوقهم واعتبروا فصل الشبكة بمثابة كبت وقمع مما جعل بعض المغتربين بالخارج يفعلون هاشتاق عبر موقع توتير يطالب من (غوغل) بفتح الإنترنت في السودان، فيما ناشد تجمع مهنيي التقنية والاتصالات تجمع السودانيين المقيمين بدول الخليج بشراء وتفعيل شرائح إنترنت تجوال دولي وإرسالها إلى السودان.
واعتبر المحلل السياسي د. عبده مختار فصل شبكة الإنترنت بمثابة خطأ في حق الشعب بقطع الاتصال الاجتماعي، واعتبر الأمر يدخل في حقوق الإنسان بحجب خدمة توفرها التقانة الحديثة.
وشدد مختار في حديثه لـ(السوداني) أمس على أن حجة فصل الإنترنت بأنه يهدد الأمن القومي مغلوطة ومردودة على المجلس العسكري، وقال” لو كان الغرض منها حجب الشائعات يمكن التغلب عليه بإجراءات أخرى”، مشيراً إلى أن تهديد الأمن يكون في كبت الشعب وقمعه ومصادرة الحريات، مضيفاً أن عدم رضا الشعب من السلطة أكبر من مهدد الأمن القومي، و زاد: إذا كان المجلس يفعل ما يغضب الشعب فإن ذلك خصماً على الشرعية التي يبحث عنها وعلى السند الشعبي.
وطالب مختار المجلس العسكري بالتركيز على المهددات الحقيقة على الأمن القومي، وأن لا يجعلوا من الأمن القومي شماعة لفصل الشبكة، وتساءل هل فصل الشبكة يخمد الثورات؟، وزاد : إن فصل الإنترنت يولد غضب الشعب على المجلس العسكري.
وأضاف: قطع الشبكة ولد شعوراً وسط الشعب السوداني، معتبراً الرؤية قاصرة في التعاون مع الأمن القومي، إذا كان ينظر للأمن من جانب الإنترنت، لأن هناك عوامل لحفظ الأمن.

(ليس لديه عمق في القرارات):
تجمع المهنيين السودانيين انتقد خطوة المجلس العسكري في فصل الإنترنت والخطوط الأرضية، معتبراً أنها المنافذ الوحيدة المتبقية للسودانيين للتواصل مع العالم. في ذلك يذهب المحلل السياسي الحاج حمد في حديثه لـ(السوداني) أمس، إلى أن المجلس العسكري ينظر للتهديد الأمني عبر الإنترنت بأنه يساعد في التواصل بين المجموعات المعارضة له، لذلك اعتبر الأمر تهديداً، مشدداً على أن المسألة ذاتية.
وأشار الحاج إلى أن قرار فصل الإنترنت أدخل الشركات في منافسه غير شريفة والسوق أصبح مغلقاً، موضحاً أن المجلس العسكري تدخل في الحريات الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، بل دخل البروتوكول الإنترنت العالمي، قاطعاً بأن المجلس ليس لديه عمق في القرارات.

رد فعل
فيما طالب نشطاء منصات التواصل الاجتماعي شركة جوجل بفتح الإنترنت في السودان، عبر هاشتاج بعنوان Google open internet for Sudan بعد أن تم قطعه من قبل المجلس العسكري الحاكم في السودان.
وأبدى النشطاء تخوفاتهم من أن يكون قطع الانترنت في السودان بداية لارتكاب جرائم جديدة بحق المتظاهرين السلميين.
ويتواصل انقطاع خدمة الانترنت في السودان لليوم الثاني على التوالي، وذلك بعد فض اعتصام القيادة العامة.
وطالب تجمع المهنيين السودانيين، أعضاء اتحاد التكنولوجيا والاتصالات في السودان بعدم الرضوخ لأوامر المجلس العسكري الانتقالي.
الناشط الحقوقي محمود رفعت قال إن ‏قيام ‎المجلس العسكري في ‎السودان
بقطع الإنترنت جريمة قمع تدخل بباب الجرائم ضد الإنسانية وتقع باختصاص الجنائية الدولية ولا تسقط بالتقادم.
ودعا رفعت الجميع أن يسخر حساباتهم للأشقاء في ‎السودان وتكثيف مطالبة جوجل بفتح الإنترنت عبر هاشتاج ‎ Google open internet for Sudan .

الهيومن رايتس ووتش
التصعيد ازاء خطوة المجلس العسكري برزت من الهيومن رايتس ووتش التي سارعت باصدار بيان قالت فيه إن قطع السودان المستمر للوصول إلى الإنترنت هو انتهاك صارخ لحقوق الإنسان ويجب إيقافه فورا، بعد أصبحت البلاد معزولة تماما عن الشبكة بعد أن هاجمت القوات المتظاهرين وفرقتهم بعنف.
على السلطات إعادة الوصول إلى الإنترنت على الفور. الأمر مهم للاتصالات الطارئة، بما فيها المعلومات من مقدمي الرعاية الصحية، وللوصول إلى المعلومات الأساسية الأخرى في أوقات الأزمات.
قالت بريانكا موتابارثي، مديرة برنامج الطوارئ بالإنابة في هيومن رايتس ووتش: “إذا كان المجلس العسكري الانتقالي يعتزم فعلا استعادة السلام والحفاظ على حسن النية مع قادة المعارضة المدنية، فعليه إيقاف هذا القطع الخطير للإنترنت، الذي يعرض المزيد من الأرواح للخطر. تقوض عمليات الإغلاق هذه بشكل صارخ حقوق الأشخاص الذين يدعي المجلس العسكري أنه يريد التحاور معهم”.
أدان “مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة” بشكل قاطع التدابير الرامية إلى منع أو عرقلة الوصول إلى المعلومات أو نشرها عبر الإنترنت، في انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وقال إن على جميع البلدان الامتناع عن مثل هذه التدابير ووقفها. قالت هيومن رايتس ووتش إن الاعتصامات والدعوات المطالبة بالعصيان المدني السلمي لا تبرر قيام المجلس العسكري الانتقالي بالمنع الشامل للوصول إلى الإنترنت.

ودعت هيومن رايتس ووتش في السابق إلى مراقبة مستقلة للوضع في السودان، بما في ذلك من خلال تحقيق من مجلس حقوق الإنسان وتحقيق مستقل من “الاتحاد الأفريقي”.
بدأ النشطاء بالحديث عن تعطل الإنترنت على الهواتف النقالة في 3 يونيو 2019م عندما نفذت القوات الحكومية هجوما دمويا واسع النطاق على الاعتصام في الخرطوم، قتل أكثر من 100 شخص وأصاب المئات. وجاء الهجوم بعد أسابيع من التوترات المتزايدة حيث توقفت المفاوضات بين المجلس العسكري وجماعات المعارضة بشأن تشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية، بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في 11 أبريل.
دعا “تجمع المهنيين السودانيين”، وهو مجموعة ناشطة تعارض الحكم العسكري، إلى حملة عصيان مدني ابتداء من 9 يونيو، وطلب من المؤيدين البقاء في منازلهم حتى يتم نقل الحكم إلى سلطات مدنية.
لم يقدم المجلس العسكري أي مبرر مقنع لقطعه الإنترنت في 10 يونيو ، قطعت السلطات ما تبقى من اتصالات الخطوط الثابتة، فأوقفت فعليا جميع خدمات الإنترنت. أعلنت “نت بلوكس”، وهي منظمة غير ربحية ترصد الرقابة على الإنترنت، أن السودان يواجه الآن “قيودا شبه كاملة” على الوصول إلى الإنترنت. وفي اليوم نفسه، أكد شمس الدين كباشي، المتحدث باسم المجلس العسكري، لقناة “الجزيرة” أن المجلس أمر بالإغلاق. قال: “نحن قطعنا الإنترنت وأوقفنا خدمته لفترة محدودة، لأسباب نقدرها”.
تسبب الوقف بأضرار واسعة منعت هذه الانقطاعات الناشطين والسكان من الإبلاغ عن معلومات مهمة عن الوضع المتفجر في السودان، حيث أفيد عن استمرار القوات الحكومية بقيادة “قوات الدعم السريع” شبه العسكرية – المعروفة بحملات الانتهاكات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق – بارتكاب انتهاكات بعد هجوم 3 يونيو.
تنتهك عمليات القطع هذه حقوقا متعددة، منها الحق في حرية التعبير والحصول على المعلومات، وتعرقل حقوقا أخرى، منها الحق في حرية التجمع. في إعلانهم المشترك لعام 2015 حول حرية التعبير والاستجابة لحالات النزاع، أعلن خبراء ومقررو الأمم المتحدة أنه حتى في أوقات النزاع، “لا يمكن بأي حال من الأحوال بموجب قانون حقوق الإنسان أن يتم تبرير القيام بفلترة المحتويات المتوفرة على شبكة الإنترنت باستخدام أزرار الإيقاف الخاصة بالاتصالات (كإيقاف أجزاء كاملة من أنظمة الاتصالات)”.
وصرح ديفيد كاي سابقا، وهو مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير: “يمثل الإغلاق الكامل للإنترنت انتهاكا واضحا للقانون الدولي ولا يمكن تبريره بأي طريقة… الوصول إلى المعلومات أمر حاسم لمصداقية العملية الانتخابية الجارية. لا تؤدي الإغلاقات إلى الإضرار فقط بوصول الناس إلى المعلومات، ولكن أيضا بحصولهم على الخدمات الأساسية”.

اترك رد