العين الثالثة || ضياءالدين بلال

لجنة تحقيق

-1-

قبل سنوات، أثناء عملي رئيساً للقسم السياسي بصحيفة (الرأي العام)، كلَّفتُ الصحفية المتميزة صاحبة الخبطات الإخبارية وقتذاك، إيمان آدم سالم، بإجراء تحقيق صحفي عن لجان التحقيق في عهد الإنقاذ، وما وصلت إليه.
مصدر الفكرة ملاحظة أن كثيراً من القضايا والحوادث، تمَّ تشكيل لجان تحقيق لها، وفي غالب تلك اللجان لم تكن هناك نهايات معلنة أو معروفة.
قضت إيمان أياماً بدار الوثائق، تبحث وتُنقِّب، ورصدت كُلَّ لجان التحقيق التي تم تشكيلها في عهد الإنقاذ.
-2-
كانت خلاصات التحقيق الصحفي مدهشة: عددٌ من تلك اللجان توقفت عن التحقيق في منتصف الطريق وأخرى في بدايته، بعض اللجان كانت نتائجها سرية، والبعض الآخر خلص إلى نهايات مفتوحة وتوصيات مُعمَّمة.
هناك متخصصون في كتابة تقارير لجان التحقيق، بمقاس رغبات رؤسائهم، فإذا كان المراد الإدانة وتشديد العقاب نسجوا على ذلك.
وإذا كانت توجيهات أو تلميحات من أصدر قرار تشكيل اللجنة إيجاد مخارج وتبريرات فَصَّلَ ترزية التقارير توصياتهم على تلك الرغبة.
بعض ترزية التقارير لهم مهارة في كتابة التوصيات الصابونية التي يصعب الإمساك بها؛ فيصيغون كلاماً فضفاضاً ولامعاً، ولكن بلا معنى ولا تُبنى عليه مُترتِّبات.
-3-
ذلك الإرث من حصاد لجان التحقيق راكم سوء ظن؛ لذا كلما قررت جهة عليا تشكيل لجنة تحقيق أحاطت بها الظنون ولحق بها الاشتباه.
في مرَّات كثيرة يأتي قرار تشكيل لجان تحقيق في قضايا رأي عام بغرض امتصاص الآثار السياسية، وتخفيض سخونة التناول الإعلامي.
وما أن تمرّ موجة الغضب وتتراجع الآثار، تموت الأوراق في الأدراج وتُصبح القضية في طيِّ النسيان.

-4-
سألتني مذيعة الـ(بي بي سي) البريطانية عن المطالبات المُتصاعدة بتشكيل لجنة تحقيق دولية في مجزرة فض اعتصام القيادة.
قلتُ لها: لجان التحقيق الدولية تفتح الباب واسعاً أمام تدخُّلات أجنبية غير حميدة، مُتعدِّدة ومُتجاوزة لحدود التكليف.
لجان التحقيق الدولية غير مُنزَّهة من الأجندة المُلوَّنة، وتجاربها في مثل تلك القضايا ليست مُشجِّعة، ولا تُغري بالتكرار.
مع ضعف عامل الثقة والاشتباه في مصداقية اللجان التي تُشلكِّها السلطات الرسمية، والخوف من التدخُّلات الأجنبية وما يتبعها من أجندة، يمكن الوصول إلى خيار ثالث.
تشكيل لجنة وطنية مُستقلَّة من كفاءات قانونية وأمنية وشرطية خارج جهاز الدولة، مُتَّفق عليها بين المجلس العسكري والحرية والتغيير.
ولأن قضية فض الاعتصام، وما ترتَّب عليها من انتهاكات وتجاوزات أصبحت كذلك قضية رأي عام إقليمي وعالمي، يُمكن إشراك أطراف إقليمية ودولية بصفة المراقبة.

-5-
لا يُمكن توقع عودة إيجابية للتفاوض مرة أُخرى بين المجلس وقوى التغيير على نقاط الخلاف السابقة، ما لم يتم إجراء تحقيق نزيه وشفاف وذي مصداقية.
رهان قوى التغيير على الأطراف الخارجية للضغط على المجلس حتى يقبل بما تراه انتقال إلى مدنية السلطة لا أظنُّه يُثمر.
واشنطن رغم زيارة وزيرها للخرطوم، واختيارها مبعوثاً للسودان، فهي تعتمد إلى حدٍّ كبير في التعامل مع السودان على تقديرات وكلائها في المنطقة ومُراعاة مصالحهم.
إثيوبيا رغم وزنها الإقليمي ومكانتها العالمية، لا تملك أوراق ضغط على الطرفين.
-أخيراً-
لو نجح رئيس الوزاء الإثيوبي أبي أحمد، في إقناع الطرفين بتشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة، مُتَّفق عليها تحت رقابة خارجية، فهو بذلك يكون قد أسهم في تجاوز أهم عقبات العودة للتفاوض المباشر.

اترك رد