العين الثالثة || ضياء الدين بلال

(الطمع ودَّر ما جمع)!

-1-

سيمضي وقتٌ طويلٌ قبل أن يكتشف المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، أن هناك نقطة موضوعية ومثالية لكُلِّ طرف منهما، كان يجب أن يلزمها ولا يتعدَّاها، طمعاً وجوراً.
في لحظات الشُّعور بالانتصار ونشوة الإحساس بالقوة؛ ترتفع عند البعض الرَّغبة في حيازة أكبر قدرٍ من المكاسب المُتعدِّية على حقوق الآخرين.
أبرع المفاوضين من يستطيعون الحفاظ على مكاسبهم، قبل التَّفكير والسعي لتحقيق المزيد.

أبرع المفاوضين، من لهم مقدرةٌ عالية وإحساسٌ رفيعٌ في معرفة النقطة الأخيرة واللحظة المثالية، في تحقيق المكاسب القصوى والتي ما دونها بداية الخسائر!

-2-
في الأسابيع الأولى، مع زخم الثورة، تعاظم الشعور بالقُوَّة لدى قوى الحرية والتغيير، فأغراها ذلك بتوسيع مطالبها إلى أبعد من المدى الموضوعي ووزنها الحقيقي.
سعت قوى التغيير لإقصاء كياناتٍ مُؤثّرةٍ في المُجتمع والفضاء السياسي، حتى من غلاة المُعارضين للنظام السابق ومُرتادي مُعتقلاته.
كان عليها أن تستخدم خطاباً استقطابياً وليس استعدائياً؛ فكلَّما زاد وزنها وتعدَّد طيفها وقلَّ مُعارضوها تقوَّت بذلك أمام المجلس.

وفي الوقت الذي كان فيه على قوى التغيير كسب ثقة المجلس وتأمين جانبه، استخدمت خطاباً أثار مخاوف العسكريين، حينما كشفت عن نواياها في إعادة هيكلة القوات النظامية بالإحلال والإبدال.
ببساطة، لا يُمكنك أن تمنح ذقنك لحلَّاق، وأنت ترى في عينيه غضباً وغيظاً، ولا تثق في الموسى التي بين يديه، وتشتبه في نواياه!

-3-
حين جاءت الفرصة الذهبية لقوى التغيير، بتحقيق أكثر من 90% من مطالبها لتثبيت أقدامها داخل أجهزة الدولة، مضت تركض عجلى خلف النسبة المُتبقِّية داخل مجلس السيادة!
كان عليها أن تُؤمِّن ما تحصَّلت عليه بخُطَّة دفاعية صارمة، على طريقة الفرق الإيطالية المعروفة بالكاتيناتشو حينما تُحرز أهدافاً مُبكِّرة، حتى تُحافظ على شباكها من الأهداف المُباغتة.
-4-
كثيرون باتوا على قناعةٍ بأن قوى التغيير كان عليها أن تقبل بعصفور اليد، ولا تُطارد عصافير الشجرة، وألا تُغالي في مطالبها حتى لا تُضيع ما بين يديها.
صديقنا تاجر ابن تاجر، مناصرٌ لقوى التغيير، وجدتُّه مُتحسِّراً على ضياع الفرصة الذهبية، قال لي: (لو في زول داير منو مليار وأدّاك 800 تقول ليه ما بشيل منك إلا تكمل المبلغ، ولا تأخد الـ800 وتلاحقو في الـ200)!
الحقيقة التي سقطت من حسابات قوى التغيير، أنها لا تستطيع أن تُحكم إدارتها على الفترة الانتقالية دون بناء علاقة إيجابية مع الأجهزة العسكرية.
والحقيقة الثانية، لا تستطيع أن تحمي سلطتها من المُغامرين أو الغاضبين من سقوط النظام داخل الأجهزة، دون حماية المُؤسَّسات العسكرية.
طالما أن قوى التغيير تُسيطر على الجهازين التشريعي والتنفيذي، ومن ورائها سندٌ جماهيريٌّ ودعمٌ دولي.

كان عليها أن تهتمَّ بتحديد وتسوير صلاحيات مجلس السيادة، وتضمن لنفسها مُشاركة مُقدَّرةً فيه، دون الدخول في جدل عقيم حول النِّسب والرئاسة.

-5-
الآن (الهوا قلب)، والمُعادلات اختلفت: المجلس العسكري يجد نفسه في وضعٍ أفضل من قوى التغيير وفي يده كثيرٌ من الأوراق، وعلى ظهره قليلٌ من الضغوط، والزمن يمضي لصالحه.
سيرتكب ذات الخطأ إذا فكَّر في تجاوز النقطة المثالية، التي تُحقِّق له مكاسب موضوعية، وقرَّر الانتقال من الحدِّ من نفوذ قوى التغيير إلى القضاء عليها أو تجاوزها.
لن يستطيع المجلس تجاوز قوى التغيير، فهي لاتزال مدعومة من قوى شباب الثورة، ولها حاضنةٌ اجتماعيةٌ واسعةٌ في المدن ودعمٌ دوليٌّ كبير.
قوى الريف والقيادات الأهلية، باستطاعتها توفير سند انتخابي، ولكن لا يستطيعون توفير سند سياسي للمجلس في وجه معارضة قوى التغيير: (التظاهرات والإضرابات والتروس).
-أخيراً-
خلاصة الأمر، كلُّ طرفٍ في حاجة إلى الآخر، لاستقرار الفترة الانتقالية ونجاح مهامها، ولا بديل لوجود شراكة بين المجلس وقوى التغيير مع مُشاركة القوى السياسية الأخرى بشرط، دون طمع أو مزايدات.

اترك رد