تراسيم || عبدالباقي الظافر

حكاية من السجن الكبير..!!

بدأت خطى بدوي تتثاقل والصول يحيى يقوده إلى المجهول.. كلمات القاضي تتردد في أذنه: الحكم خمس سنوات سجنا مراعاة لحداثة عمره وسجله النظيف.. في السجن الكبير أحيل إلى عنبر الأراضي المحررة.. هذا العنبر يخضع للحكم الذاتي.. زبائنه من عتاة المجرمين.. بدوي أصبح مسجل خطر عقب اعتدائه على شرطي أثناء انتظاره الطويل في قسم شرطة المرسى.. حفاظا على الأمن والسلم في السجن الكبير تم تحويل المدان بدوي الطيب أبوشنيب إلى أسوأ عنبر بالسجن.
أدار بصره على زملائه في العنبر.. رائحة من البخور تعبق في أرجاء المكان المتسخ.. بعدها ميز القادم الجديد رائحة ذاك المخدر الذي بسببه دخل السجن.. إنهم يخلطون الأجواء بريح طيب وآخر غير طيب.. مطربة ذات صوت رديء تبث أغنية هابطة من جهاز تسجيل مهترئ.. المساجين احتفوا بالقادم الجديد.. نهض رجل خمسيني ذو لحية كثة من أقصى المكان ليرحب بالضيف الجديد ويشرح له قوانين وأعراف الدنيا الجديدة.. أخبره أنه الآن المسؤول الأول عن العنبر.. فلسفته أن الناس شركاء في كل شيء إلا شيئا اختص به نفسه.
المعلم جمعة الأطرش تأكيدا على سيادته قام بطرد الشاب صباح الخير الذي كان يجاوره في المجلس.. استغرب بدوي ورفقاء السجن يحاولون الاستحواذ على صباح الخير.. حكمة الأطرش اقتضت أن تضرب القرعة بين المساجين وأن صاحب الحظ يتزوج من صباح الخير هذه الليلة.. اللغة الجنسية المباشرة جعلت بدوي يرتجف مثل عصفور تعرض لبلة ماء في ليل شتوي.
تجاهل بدوي لغة التحرش الواضحة من المعلم جمعة.. عندما أرخى الليل سدوله بدأت خطة إرهاب الضيف واجباره على الاستسلام.. المعلم كان يجلس بعيدا مدعيا النوم وغيره يتولى المهمة.. شعر بدوي بخمسة رجال أشداء يحيطون به.. أمسك به أربعة وحاول خامسهم أن يفعلها.. أخبروه أنهم سيتناوبون اغتصابه.. في لحظة معينة تدخل المعلم جمعة فارضا حمايته للضحية.. كان بدوي يبكي مثل طفل فقد عزيز لديه.. المعلم يواسيه بأنهم جميعا تعرضوا لهذا المصير وسيأتي يوما ينقلب فيه الحال يخرج من السجن هؤلاء الأشرار ويأتي أشرار غيرهم.
بدأ بدوي بين دموعه يتذكر.. خرج من البادية وهو ابن تسعة عشر.. كان حلمه أن يصبح سواق عربة (بدفورد).. وأمنيته الأخرى أن يتزوج ابنة خاله العازة بت عبد المطلب.. تذكر دموع أمه التي طالبته ألا يفارق الفريق وأن الصعيد بلد ظالم أهلها.. بدوي أراد أن يصنع مجدا يجعله كبيرا في أعين العازة.. إذا تمكن من قيادة تلك العربة وشق به فريق العرب فهذا يجعل مهمته في الفوز بقلب العازة أمرا يسيرا.
الحياة وتفاصيلها لم تكن بهذا اليسر.. حلم قيادة الـ(بدفورد) بدأ بركشة.. كان بدوي يعمل في السوق المركزي يتنحى جانبا من الطريق عندما يلمح العربة الحلم.. أحيانا يلوح لسائقها ولسان حاله يقول: أنتم السابقون ونحن اللاحقون.
في ذلك النهار المزدحم طلب منه شيخ كبير أن يحمل أوعيته إلى آخر محطة.. أخبره أن زوجته ستقابله أمام  بقالة البحر.. وصل إلى المكان وجاءت امرأة وحملت الأمانة وأجزلت له في العطاء.. تكررت المشاوير من الرجل الستيني إلى مناطق مجاورة للسوق المركزي.. في يوم ماء هجمت عليه الشرطة وعربته محملة بحشيش.. فشل بدوي في إثبات عدم علمه بنوع البضاعة ومضى إلى السجن.
بدوي مع الحزن والذكريات يستشعر أن المعلم بدوي بدأ يمرر يده على مؤخرته.. يهمس في أذن المعلم دعهم ينامون.. المعلم يصدر أمرا بحظر التجوال ويطالب باطفاء كل الأنوار اتساقا مع حالة الطوارئ.. ظن المعلم أنه اقترب من هدفه بلا حرب.
آخر شيء لمحه بدوي قبل الإظلام كانت سكينة تتوسط صحن به طماطم وعجور.. في لحظة فارقة كانت روح المقاومة تجعل من بدوي ثائرا.. أمسك بالمدية في الظلام وشق بها بطن المعلم جمعة وأصاب اثنين من مساعديه.. قوات الشرطة على أثر الضجيج والضوضاء تصل إلى الأراضي المحررة وتقتحمها.
وزير الداخلية المصري يصدر أمرا بترقية قائد قوات التحرير، فيما يضيف بدوي إلى سجله سبع سنوات أخرى بتهمة القتل غير العمد.

اترك رد