أقاصي الدنيا ||محمد محمد خير

لم أشارك في الثورة

لكل كاتب جمهوره، ومن حق هذا الجمهور أن يعرف رأي كاتبه من الأهداف الكبرى. ما دعاني إلى كتابة هذه الأسطر، هو ما أثاره الأخ الأستاذ ضياء الدين بلال في زاويته يوم أمس، بإشاراته الواضحة لعدد من الزملاء الكُتَّاب الذين تغيَّرت ملامح كتاباتهم، واكتسبت لوناً ثورياً لم يحمل مشعله من قبل ذلك، بانتحالهم بطولات باسم ثورة الشباب التي انتصرت، وما تزال تفتح الدروب لانتصار حاسم.
أنا لم أشارك في هذه الثورة التي بدأت منذ ديسمبر، ولم تُكمل خواتيمها بعد على نحو يرضي تطلّعات مُفجّريها، وذلك لأسباب عدَّة أولها أنني كنت أتلقَّى العلاج خارج السودان منذ شرارتها الأولى، حتى عودتي في مطلع مارس، وثانيها أنني كنتُ متحفِّظاً على شعارها المركزي “تسقط بس”، إذ أنه شعار ينمُّ عن (حراق الروح) أكثر من كونه بناءً سياسياً متكاملاً، والسبب الثالث أنني كنتُ على يقين بأن اللمسة الأخيرة لن تكون مُرضية للثوار ولا للقوى السياسية، لأن من سينحازون لها من القيادات العسكرية سيخرجون من رحم التحالف العسكري الإخواني، وستصطدم رؤيتهم مع رؤى مُفجّري الثورية، كأنني كنتُ بهذا الاستشراف أتكهّن بحرب الرؤى الدائرة الآن، ورابع هذه الأسباب أنني كنت أراهن على أن نظام الإنقاذ سيتبخر ذاتياً على صعيدي السياسة والاقتصاد بعد أن أصبح منتقدوه هم أصحاب المشروع نفسه، وعطفاً على هذا التصور كنتُ أجزم بأن النظام سيلجأ حتماً لحلِّ لن يرضي الجميع بعد اتساع دائرة المعارضة من الإسلاميين أنفسهم، ومن الكيانات السياسية ومن المواقف العربية الخليجية والشماتة الإيرانية ومن الاتحاد الأوروبي والمكر المصري والغموض الأمريكي، إضافة إلى موجة الكراهية العارمة التي عبّرت عنها الأجيال الجديدة.
كنت أتصور أن البشير سيطرح حلاً نهائياً يقوم على فترة انتقالية وسلام مُستدام، وسيُعلن عن انسحابه من مسرح السياسة لفضاء العبادة والاستغفار، وستتواضع القوى السياسية على مفوضية انتخابات مستقلّة، وستتهيَّأ الأجواء لانتخابات ديمقراطية، كنت أتصوَّر ذلك في ضوء ما كنت أقرأه من مقالات لإسلاميين، وما أتلمّسه من مواقف جماعية وفردية لِطَيْفٍ إسلامي يمتد من محمد علي الجزولي حتى خالد التيجاني، وكنت على يقين بأن البشير سيختار طريق السلامة وقد عبرت عن ذلك في اللقاء الذي جمعه بالصحفيين بإشارة إلى أن الحراك ليس خلافاً سياسياً فحسب، إنما هو كراهية، والكراهية ليست لها أيدولوجيا!
لم أشارك في الثورة لأنني كنت بحدسي لأتصور هذه اللحظة العدمية التي نعيشها، فبدلاً من أن نفاوض بشيراً بلسان واحد، فنحن الآن نفاوض 20 بشيراً بمختلف اللهجات.
التفاوض مع البشير وحده كان الكفيل بإنهاء كُلِّ حقبته وحقبة الإسلام السياسي، لأن البشير باختطافه للحركة الإسلامية ولمشروعها وتمكنه من مفاصل الاقتصاد وإخضاعه الجميع لسلطانه، كان مُفرداً بصيغة الجمع وليس جمعاً لقلة حيلة الفرد كما هو الآن.
رغم أنني لم أشارك في الثورة، إلا أنني ربيب الحرية والسلام والعدالة وابن هذا المعنى.

اترك رد