تراسيم || عبدالباقي الظافر

أوراق الكباشي..!!

فوجئ السودانيون يوم أن أعلن المجلس العسكري عن تحفظاته على الوثيقة الدستورية.. مارس المجلس العسكري دور معلم اللغة العربية في تصحيح الورقة المذكورة.. حيث ركز على الملاحظات الشكلية.. لم تتضح أسباب تلك المهارة إلا حينما علمت أن نحو خمسة من كبار الجنرالات عملوا كأساتذة في الكليات الحربية.. ذاك الامتياز منحهم القدرة على الثرثرة وخلط الأوراق ولو من باب الهوامش.. فكان استخدام مصطلحات مربكة مثل فُض محيط الاعتصام أو الحديث عن استشارة السلطة العدلية في أمر فُض الاعتصام.
مارس المجلس العسكري هوايته المفضلة في إبداء الملاحظات غير الجوهرية على المبادرة الإثيوبية.. حيث ذكر الفريق الكباشي أن الاتحاد الإفريقي قد وصل أولا للخرطوم وقدم مقترحات حل الأزمة السودانية.. ثم بعدها جاء رئيس الوزراء الإثيوبي متدثرا بالثوب الإفريقي.. ثم تفاصيل مربكة عن المبادرة التي وصلت أولا وتلك التي تأخرت.. في نهاية المؤتمر الصحفي يعلمنا الكباشي أن الورقة الإثيوبية لن يتم النظر فيها بعين الاعتبار كونها خالفت القيد الزمني ولم تلتزم بالتفاهمات المسبقة.
لكن حقيقة الأمر أن المجلس العسكري كان قد استدرك متأخرا أنه قبل الوساطة الإثيوبية والتي واحدة من بنودها العمل على إبعاد التدخل الأجنبي في الشأن السوداني.. في ناحية غير بعيدة كانت مصر تحشد جمع من الدول الإفريقية لتلقف المبادرة الإثيوبية.. المبادرة الإقليمية التي تحركها مصر من وراء ستار تشمل نحو أربع عشرة دولة إفريقية.. بل بعض هذه الدول ربما ليس لها تمثيل دبلوماسي في الخرطوم.. انظر هداك الله إلى دول مثل سيراليون ونيجيريا ورواندا وغيرها.. هنا تكمن الحقيقة أن مصر تحاول بشكل دبلوماسي إبعاد النفوذ الإثيوبي من الشأن السوداني بمظان أن بلدنا ليس سوى حديقة خليفة تسرح وتمرح فيها القاهرة.
سينتهي الأمر لمزيد من شراء الوقت.. حيث سيتم إقناع الاتحاد الإفريقي أن عليه أن يمهل حكومة الخرطوم مزيدا من الوقت مادامت قد قبلت بمبادرة الاتحاد الإفريقي.. في ذات الوقت يمضي المجلس العسكري لاحتلال مزيد من التلال السياسية التي يصعب الانسحاب منها لاحقا.. مثل تكوين حكومة تصريف مهام.. أو عقد اتفاقيات مع مجموعة من الأحزاب تصبح في حكم الواقع عند إعادة التفاوض.. قبل أن تفيق قوى الحرية والتغيير من الصدمات المتتالية تجد أن العسكر قد طبخوا انتخابات عامة تعيدهم للسلطة بعد ارتدائهم الزِّي المدني.
في تقديري أن الإسراف في إحسان الظن بالعسكريين قد يؤدي لتسرب حلم الحرية من بين يدي الثوار.. استمرار العسكريين في السلطة لم يعد قرارا سودانيا إنما واقع محمي بنفوذ إقليمي موسع.. لهذا من المهم التعامل مع المجلس العسكري باعتباره امتدادا لحكومة الإنقاذ السابقة.. عبر هذا المعيار يتم تحديد استراتيجيات التعامل معه.. أي تجاوز لهذه الفرضية ستبدو الثورة كمن يحرث في البحر.
بصراحة.. الآن انسحب المجلس العسكري من كل الالتزامات السابقة.. حدث ذلك بعد أن جرد قوى الثورة من ميدان الاعتصام.. الضربة القادمة ستكون في الهيكل.. سيتم تشتيت قوى الحرية والتغيير عبر استخدام آليات الدولة القديمة مصحوبا هذه المرة بريح إقليمية.

اترك رد