العين الثالثة || ضياء الدين بلال

(ما يمكن أن يحدث)!

-1-

للأسف، ربما يمضي وقتٌ طويلٌ وتترتَّب خسائر فادحة حتى يُدرك المجلس العسكري وقوى التغيير، أن العلاقة بينهما في الفترة الانتقالية، هي الباب الوحيد لنجاة الوطن من مُنزلق الفوضى والانهيار.
العلاقة بينهما شبه سيامية، وتحتاج إلى تدابير خاصة وسعة أكبر في التفكير ورحابة الصدر.
هذا لا يعني أن يحْتَكِرا الساحة السياسية، ويُقصِيَا بقية القوى السياسية والمُجتمعية، ويُغلِقَا الباب عليهما، في خلوة ثنائية، ثالثهما شيطان الأنانية!
المُراد أن يُمثّلا أعمدة ارتكاز في التوافق الوطني العام على مطلوبات الانتقال.

-2-
ثلاثُ حقائق يجب التأسيس عليها في التعامل مع الفترة الانتقالية:
الحقيقة الأولى/ لن يستطيع المجلس تجاوز قوى التغيير، فهي ماتزال مدعومةً من قوى شباب الثورة، ولها حاضنةٌ اجتماعيةٌ واسعةٌ في المدن ودعمٌ دوليٌّ كبير.
قوى الريف والقيادات الأهلية، باستطاعتها توفير سند انتخابي، ولكن لا يستطيعون توفير سند سياسي للمجلس في وجه مُعارضة قوى التغيير: (التظاهرات والإضرابات والتروس).
السند الإقليمي قابلٌ للتراجع وكفِّ يد الدعم، في حال تصاعد الضغط الدولي عليه، وارتفاع فاتورة المُناصرة.

-3-
الحقيقة الثانية/ قوى التغيير لا تستطيع أن تُحكِم إدارتها على الفترة الانتقالية دون بناء علاقة إيجابية مع الأجهزة العسكرية والأمنية.
ولا تستطيع أن تحمي سلطتها من المُغامرين أو الغاضبين من سقوط النظام داخل الأجهزة، دون عون المُؤسَّسات العسكرية.
من مصلحتها أن تحمي نفسها بالشراكة الرضائية مع المؤسسة العسكرية.

-4-
الحقيقة الثالثة/ على قوى التغيير تجاوز منطق الدّجاجة الصغيرة الحمراء لتفتح أبوابها واسعة، وتدعو الجميع للمُشاركة في ترتيبات الفترة الانتقالية، حتى لا تتكوَّن معارضة واسعة، على أجندة الخوف والانتقام، تُعيق برنامج الانتقال، بدلق المياه الساخنة تحت الأرجل الحافية!
مُعارضة تضمُّ شركاء المؤتمر الوطني من أحزاب وحركات إلى حين السقوط، يُضاف إليها المُؤسَّساتُ الأمنية والعسكرية المُهدَّدة بالتصفية، والتكوينات الإسلامية المُتعدِّدة المُتوجِّسة من التغيير، والمنتمون لحزب المؤتمر الوطني داخل أجهزة الدولة، المُهدَّدون بالتمكين المُضاد.

-5-
علينا استدعاء الأرشيف السياسي للعبر والاتعاظ:
إقصاء الحزب الشيوعي السوداني من الملعب السياسي في العام 1966م ترتب عليه انقلاب مايو 1969م.
إقصاء الجبهة الإسلامية في الديمقراطية الثالثة، عبر مُذكِّرة الجيش، ترتَّب عليه انقلاب يونيو 1989.

-6-
هنالك سيناريوهان:
السيناريو الأول / إذا انفرد المجلس بتكوين حكومة انتقالية، سيجد نفسه أمام معارضة مدنيَّة مُتصاعدة، لن يستطيع معها صبراً.
إذا تسامح معها، اتَّسع نطاقها وقَوِيَتْ شوكتها، حتى تعجز أجهزة الدولة والمُجتمع عن القيام بدورها فتتعطَّل الحياة وتُشلّ الخدمات.
وإذا قرَّر مُواجهتها بأدوات القُوَّة الأمنية، تصاعدت واتَّسعت حاضنتها الاجتماعية وتكاثفت الإدانات والعقوبات الدولية، فسيصبح المجلس مُقاوماً ومنازعاً داخلياً ومعزولاً ومداناً خارجياً.
السيناريو الثاني / إذا أفلحت قوى التغيير، مستعينة بالدفع الثوري الداخلي والضغط الخارجي في تحجيم القوى العسكرية والأمنية، ستتحوَّل إلى قوى مُضادَّة كائدة، تُسهم في خلق الأزمات، وربما تسعى لقطع الدعم الخارجي الإقليمي حتى تعود الضوائق المعيشية، فيثور الشعب ضدَّ حاكميه المدنيِّين مُستنجداً بالعسكر مرَّةً أُخرى كما حدث في مصر.

-أخيراً-
ما لا يدعو للتفاؤل، رغم وضوح المُعطيات وتوقُّع النتائج، أن عقليّتنا مُغلقة ومُعانِدة، لا تقبل المُساومات الذكية التي تُقلِّل الخسائر وتُعظِّم المكاسب.
عقلية تبني على أسوأ الاحتمالات، لا على أفضل الفرص، عقلية تعتبر التنازل ولو جزئياً مُؤشِّر ضعف وخور!
لذلك عادة ما تنتهي غالب الخلافات والصراعات، إلى نتائج عدمية وخسارة صفرية كبرى يتقاسمها الجميع.

اترك رد