حكاية السبت || عبدالباقي الظافر

الضوء الشارد من أم درمان..

 
كان الشاب منهمكا في عمله في مطعم ماكدونالدز في جنوب لندن.. حينما يتدفق الماء الحار على كفيه وهو منهمك في غسل الصحون في الثلث الأخير يسأل نفسه: لماذا هو في البلد الغريب؟.. كان بإمكانه أن يعيش حياته هانئا في أم درمان التي يملك والده فيها متجرا ومن الثروة ما يستر الحال.. لكن سرعان ما يرد الشاذلي تلك الأحاسيس.. ينفضها من دواخله بذات طريقة تجفيفه للصحون.. ثم يضحك.. سيتحقق الحلم.. سيلتقي في هذه المدينة الرجل الذي يبحث عنه.. توقف في باريس كطالب لغة فرنسية متفوق بعثت به جامعة الخرطوم.. لم يجد نفسه في مدينة النور.. ضباب لندن الكثيف لم يحجب رؤية الحلم.
كان يوما عاديا والشاب السوداني منهمك في عمله في ذات المطعم.. سمع لكنة صديقه السعودي في صالة الطعام.. كاد أن يلعن الغربة رغم أنها تقرب بين المسافات.. في الأحوال العادية ما كان له أن يصادق هذا الرجل القادم من بداوة المدينة.. مضى الشاذلي نحو صديقه الذي فرضته عليه ليالي لندن الباردة.. تحدث الضيف كثيرا.. لكنه رمى عبارة لم يلقِ لها بالا.. تغيرت معالم الشاب.. بدأ وكأنه لا يسمع ما تبقى من حديث.. شد الشاب خبر أن الطيب صالح سيلقي محاضرة في السفارة السعودية في مساء ذات اليوم الذي لاح فجره.
مضى من تلك الصالة إلى مكتب مشرفه في العمل.. أخبره أنه سيتغيب من العمل في المساء.. حينما حاول المشرف إقناعه بصعوبة الأمر قال الشاذلي بشكل جاد وحاد: “إذن اعتبرني مستقيلا”.. انتهى يومه عاطلا عن العمل.. رغم بؤس الواقع بدا الشاب سعيدا بأنه سيلتقي في هذا المساء الأديب الوارف الطيب صالح.. هذا الرجل شغله منذ أن كان طالبا في جامعة الخرطوم.. لم يتخلص من الطيف حتى بعد أن وصل إلى باريس فجعل بعضا من دراسته في أدب الطيب صالح.
في يوم الندوة جاء الشاب مهندما.. بذل كل ما في وسعه من الأناقة فهذه ليلته.. حينما وصل إلى المكان انعقد لسانه.. تجمدت ساقيه من مهابة أن يلتقي كفاحا بصحاب عرس الزين.. رأى أكابر لندن ورموزها يمرون أمام أعينه.. سيارات فاخرة تشق الدرب المؤدي للمناسبة.. حسان من بلدان العرب جئن في الموعد.. تردد كثيرا حتى أنه فكر في مغادرة المكان.. وهو بينه هذه وتلك برز الطيب صالح بسمرته المعهودة ووسامته التي لم تهدها الأيام.. بعدها شعر بشجاعة تدفعه دفعا.. شق الجموع وجلس في المقعد الأخير من الكراسي المبسوطة على مد البصر.
تحدث الطيب ببلاغة وفصاحة وبساطة.. تنقل بين مواضيع شتى.. كان الشاب يعتقد أن الطيب يخاطبه هو لا الجمع الكبير.. حينما انتهت الندوة فتح السفير غازي القصيبي باب المجادلة والتعقيب.. لم يتجرأ أحد في حضرة الأديب.. رفع بنانه كأنه ينقذ السفير من حرج رفض الاستجابة لدعوته.. كان يحفظ بعض من روايات الطيب صالح عن ظهر قلب.. استعان ببعض الشعر في تفسير أدب الطيب.. انبهر الحضور وانتبه الطيب لهذا الفتى.. في نهاية الندوة كان الفتى بعضا من اهتمام الناس.. سُلِّطَ عليه ضوءٌ لم يألفه من قبل.. وكانت تلك البداية في مسار طويل من الإبداع.
كأنما حلت عليه بركات الزين أحد أبطال الطيب صالح.. في اليوم التالي كان ضيفا على مجلس الطيب صالح العامر.. بعد أيام وجد وظيفة مرموقة في السفارة السعودية ضمن طاقم إصدارة ثقافية كانت تصدرها الملحقية الثقافية وقتذاك.. ثم أضواء كثيفة في نفق الحياة العامة.. ينتقل الشاذلي إلى محطة (ان بس سي).. ثم محطات آخر.. منذ ذاك اليوم تتوالى النجاحات في حياة محمد سليمان الشاذلي كأنه فصل من إحدى الروايات.
كتب الشاذلي عددا من الروايات والقصص القصيرة.. فاز بعدد من الجوائز منها جائزة الطيب صالح الذي أحبه.. قبل أيام قررت جامعة (قراند فالي) بولاية متشجان الأمريكية أن تكون روايته السواد المر بعضا من منهج الدراسة لطلاب العلوم السياسية.. في هذه الرواية البطل سامي حمدان يوازي مصطفى سعيد في تيهه في لندن.. ينتهي سامي حمدان إلى صفوف (داعش) باحثا عن الاستقرار الوجداني وتلك الشقراء البريطانية التي رفضت أن تمنحه قلبها رغم وسامته وشطارته لأن فيه بعض من الشرق.

اترك رد