حاطب ليل … عبد اللطيف البوني

ربنا يتمم بخير

(1)
عوّدتنا المفاوضات بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير على أن لا نفرح لأي تقدم فيها ولا نحزن لأي تراجع فيها، فهي دوما في حالة علو وهبوط، تتقدم لتتراجع وتتراجع لتتقدم, تمشي (اتنين وترجع تلاتة) وأحيانا (تمشي تلاتة ترجع اتنين) وذلك لسبب بسيط وهو أن الذين يجلسون على طاولة التفاوض ممثلين لجهات أخرى خارج قاعة التفاوض والمثل السوداني يقول (المرسال اكان ريح كرعيك ما بريح بالك). ومع كل هذا نقول بارك الله في الجهتين طالما أنهم مرة مرة بيفرحونا ومرات بيزعلونا، مثل الكهرباء، تغضبنا في حالة انقطاعها وتسعدنا في حالة عودتها، وتجعلنا نكاد نصيح مع أطفالنا (الكهربا جات, الكهربا جات) أها اليوم العلينا دا (الاربعاء 17 يوليو) يوم كتابة هذا المقال كهربة الجماعة جات من الصباح ومع زخات أمطار خير وبركة عمت أجزاء كبيرة من السودان, فقد صحونا على أخبار التوقيع على الاتفاق على الإعلان السياسي بين العساكر وقحت، ونقلت لنا الشاشات صور الجنرال حميدتي قائد قوات الدعم السريع والأستاذ أحمد ربيع مدرس الرياضيات بالمدارس الثانوية وهما يوقعان على ما تم الاتفاق عليه (يبدو أن النسخة الأمدرمانية من السياسية السودانية أصبحت في الباي باي).
(2)
لا شك أن ما تم التوقيع عليه أمر مفرح، وكان مفروضا أن نفرح له كما فرح الجزائريون بهدفهم القاتل في مرمى نيجيريا في كاس الأمم الإفريقية، ذلك الهدف الذي صعد بهم للمباراة النهائية، فهذا الاتفاق قد صعد بنا إلى الإعلان الدستوري وهو آخر عتبة للدخول في الفترة الانتقالية، ولكننا اقتصدنا في الفرح لأننا نعلم أن شيطاننا ليس في التفاصيل، إنما في الفواصل الزمنية بدليل أننا فرحنا لاتفاقية الجمعة الخامس من يوليو الجاري والخاصة بالمجلس السيادي، ولكن بسرعة (اتلحس) هذا الفرح وحل محله الوجوم لأنه قيل لنا إنه قد تم التوقيع على بنود تصادر مدنية الفترة الانتقالية، مع أن الذي حدث وعلى حسب رواية الأستاذة ابتسام السنهوري عضو اللجنة الفنية لقناة الحدث أن الذي تسرّب عبارة عن أفكار في مرحلة التفاوض وليست نصوصا متفق عليها، وأنها طرحت للتشاور ولم يوقع عليها أحد، وما كان ينبغي أن تتسرب، ولكنه سوء القصد فقط، ففي مرحلة التفاوض دوما تكون السقوف مرتفعة. فعلى العموم سوف تظل أيدينا على قلوبنا إلى يوم الجمعة يوم التفاوض على الإعلان الدستوري الذي سوف يوضح كيف ستدار الفترة الانتقالية بينما الإعلان السياسي أوضح من سيدير الفترة الانتقالية. نظريا الاتفاق على الدستوري أسهل من السياسي، وهذا الأخير يمهد للأول، لكن البلد على قول الخليفة عبد الله مسكونة ما معروف شيطانها يمرق من وين.
(3)
القراءة الأولية لما تم الاتفاق عليه وما سيتم الاتفاق عليه، أن المرحلة الانتقالية القادمة سوف تدار إدارة مدنية كاملة الدسم، ولكن بشراكة عسكرية، فيا جماعة الخير طالما أن العساكر رضوا بالعمل تحت المظلة المدنية، فحقه نرحب بيهم ولا نطلب منهم أن يهتفوا (مدنياووو)، فالكاكي يمنعهم من ذلك، والعبرة بالأفعال وليس بالأقوال، فباركوها وقولوا (ربنا يتمم على خير)، وكل المطلوب تخفيف أحمال الفترة الانتقالية والرفق بها واعتبارها (دابة صغيرة وضهرها لين), مش قلنا النسخة الأمدرمانية من السياسة السودانية انتهت؟

اترك رد