العين الثالثة || ضياء الدين بلال

عودة الإسلاميين!!

-1-

في آخر لقاء للرئيس السابق عمر البشير مع قيادات الإعلام المحلي بمقر إقامته ببيت الضيافة، أُتيحت لي وبعض الزملاء فرصة الحديث.
قلت له: ما يحدث ثورة مُجتمعية، فالمشروع الذي كنتم تدافعون عنه في توريت وكبويتا، أنتم الآن في حاجة للدفاع عنه داخل منازلكم!
وفي ذلك إشارةٌ لمُشاركة عدد كبير من أبناء وبنات قيادات الإسلاميين في الاحتجاجات.
ونبَّهته لخطورة الخطاب الاستعلائي الذي يُحوِّل المُناصرين إلى مُحايدين، والمُحايدين إلى مُعارضين، والمُعارضين إلى أعداء.
وختمتُ حديثي له بأن يُصبح قائداً للتغيير بدلاً أن يصبح هدفاً له!

-2-
وربما لو أخذ البشير بتلك النصيحة في وقتها، وقاد التغيير مُمتنعاً عن الترشح في الانتخابات، ومُفسحاً الطريق لغيره، بعد فترة انتقالية مُتَّفقٍ عليها مع القوى السياسية المُعارضة، لضمن لنفسه خروجاً آمناً وكريماً، وللبلاد انتقال سهلاً وسلساً غير ذي عوج.
لو فعل ذلك، لحفظ دماء الشباب وأمن البلاد ومُستقبل الأجيال وفرص حزبه في البقاء، ولفَتَحَ الطريق أمام تداول سلمي يُرسِّخ قيم البناء الديمقراطي.
اختار البشير حين غفلة بقوانين الثورات وعبر سابقيه، الطريق الخطأ، مُغمض العينين ومُغلق الأذنين، واحتفظ لنفسه إلى اللحظات الأخيرة بهامش المُناورة على شفا جرفٍ هارٍ، فكان السقوط الداوي المُذل.

-3-
نشرت (السوداني) أمس خبراً عن مصدر قيادي بالحركة الإسلامية، قال فيه: إن نشاطاً كثيفاً انتظم قواعد الحركة وقياداتها، بالمركز والولايات، مؤكداً أن الحركة بصدد إجراء مراجعات شاملة للتجربة والمُمارسة خلال سنوات الحكم.
وكشف المصدر عن عمل لجان خاصة بدراسة وضعية المؤتمر الوطني، ما بين حلِّه وتأسيس حزب سياسي جديد، أو الإبقاء عليه، وعن اتجاه قويٍّ لتخلِّي الوطني عن جميع أصوله ومقاره لصالح الجامعات والمراكز الصحية والتعليمية!
إذا قرَّرت الحركة الإسلامية وحزبها المؤتمر الوطني العودة إلى المسرح السياسي في هذا الوقت، ستكون واصلت مسيرة اختياراتها الخاطئة التي أوردتها موارد الهلاك، بدخولها عبر بوابة الخروج!
مآلات تجربتها في الحكم لثلاثين عاماً أورثتها فواتير سياسية وأخلاقية باهظة، ولا تملك في رصيدها الراهن ما يُقابل السداد!

-4-
حسب ما جاء في إفادات المصدر، من التَّناقض وعدم الاتِّساق أن تكون هناك مراجعات شاملة للتجربة والممارسة، وقبل أن تكتمل تخرج الحركة إلى العلن بذات الشعارات القديمة.
على الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، قبل تغيير الأسماء وعناوين المقار والعودة إلى المسرح؛ عليهما التفكير في جدوى الفكرة والمشروع بمُمارسة نقد ذاتي صادق وقوي وجريء يُعيد فحص المسلمات وتقييمها.
ومن أهم الأسئلة الابتدائية التي في حاجة لإجابة: هل الحركة الإسلامية السودانية بعد فشلها في الحكم في حاجة لإعادة ترتيب أولويّاتها على نسق مدرسة التربية الإخوانية: (الفرد والبيت ثم المجتمع والدولة)؟!

-5-
الحقيقة التي يصعب تجاوزها أن مشروع الحركة الإسلامية في السودان، جاء لإكمال تمام الدين في السياسة والاقتصاد والمجتمع، ولكن بتداعيات تجربته السالبة هدَّد إسلام الفرد!
نصيحتي للقيادة الجديدة التي تتولَّى ترتيب أمر الحركة والحزب، أن تعتبر الفترة الانتقالية مرحلةً زمنيةً للانكفاء على الذات والنقاهة السياسية، للاستشفاء من أمراض السلطة وإبراء جراح الخروج منها عبر الباب الضيِّق الحرج!

-أخيراً-
نعم، عليكم إقناع الأبناء في المنازل الذين ثاروا على مشروعكم واستعادة ولاء وثقة عضويتكم المخذولة في قادتها، قبل التفكير والعمل لاستقطاب آخرين، وتأكيد الوجود بصوت خفيض وخاطر جريح وحلم مجهض.

اترك رد