مافيا الدولار بسوق ليبيا.. أجانب في قفص الاتّهام!!

تحقيق: اليسع أحمد

تَزايدت وتيرة الشكاوى من عددٍ كبيرٍ لتُجّار يُمارسون نشاطهم بسوق ليبيا من انتشار ظاهرة تُجّار أجانب يعملون بالسوق في أنشطةٍ تجاريةٍ، ظَاهرها بيع الأحذية والملبوسات و(باطنها) تجارة (العُملة) ما جعل أولئك الأجانب يرفعون سقف الإيجار إلى نسبة بلغت 200%، وخلال جولة لـ(السُّوداني)، قال عبد الباقي محمد علي إنّ عدد مَحَال الأجانب بسوق ليبيا فَاقَ الـ(300) دُكّان بمُختلف الجنسيات يتقدّمهم السوريون، الصينيون واليمنيون، مُشيراً إلى أنّ هذا الكم الهائل من الأجانب يُشكِّلون خطراً بالغاً على اقتصاد البلاد لأنَّ أغلب عملهم في تجارة العُملة والمُضاربة بالدولار ما أدَّى لارتفاع جُنُوني في العُملة الأجنبية، قابلَهُ تدهورٌ مُريعٌ في الجنيه السوداني معاً.

ضربة البداية
في حديثه لـ(السوداني) أكّد عبد الباقي، أنّ دُخُول الأجانب للبلاد وتحديداً السوريين واليمنيين، بدأ عقب اندلاع ثورات الربيع العربي، ووقتذاك كان حينها سعر الدولار في بنك السودان المركزي جنيهين ونصف، وسعر السوق المُوازي (3) جنيهات، وأن دخول السوريين واليمنيين كان بغرض اللجوء، لكن سرعان ما سمحت لهم السلطات بممارسة الأنشطة التجارية، فمنهم من استخرجوا تصاديق لإنشاء مصانع أحذية وبمُوجبها تم منحهم الجنسية السودانية، علماً بأنّ مصانعهم هذه لم تعمل ولا يوماً وواحداً، بل كانت عبارة عن مصانع وهمية لا تُوجد على أرض الواقع، وإنّما يتحايلون بها على قَانُون البلاد، ومَضَى عبد الباقي بقوله إنَّ مُعظم الأجانب عملهم في سوق ليبيا يتركّز على محلات الأقمشة من ستائر وملايات وغيرها، إضَافَةً إلى مَحَلات الأحذية بأنواعها المُختلفة، مُبيِّناً أنّ تلك الأنشطة هي عبارة عن أغطية وستار لها ما بعدها من أعمالٍ وهي تجارة العُملة، وأشار الى أنّ هذا الكم الهائل من التُّجّار سُوقهم الرئيسي هو مدينة دُبي بالإمارات، حيث يتم تحديد موعد مع المُستلم هُناك سواء كانت بالدولار أو بالدّرهم وهي مَبالغ هائلة.

طَلبٌ عَاجِلٌ
عددٌ كبيرٌ من التُّجّار بسوق ليبيا طالبوا الحكومة مُمثلةً في المجلس العسكري بإنقاذهم من تلك المافيا التي أرهقتهم وأخرجتهم من السُّوق – عَلى حَدِّ قولهم – وذلك بتضليلها الحكومة عبر شَمّاعة الأحذية، وهكذا فَقَدَ التاجر السوداني بوصلة العَمل في السُّوق نسبةً لتذبذب الأسعار.. وقال التاجر محمد علي لـ(السوداني): نذهب للصين وتركيا وغيرهما من الدول لجلب بضائع بالحاويات وفقاً لدولار نشتريه بـ(55) جنيهاً، وبعد انتهاء إجراءات التخليص الجمركي نجد الدولار تخطى حاجز الـ(70) جنيهاً، لذلك نجد صعوبة في بيع البضاعة وفي شراء الدولار مرةً أخرى، بحيث يؤدي إلى تآكُل رؤوس أموال التُّجّار بالجنيه السوداني مُقارنةً بالعملات الأجنبية من دولار، يوان، درهم وغيرها، مَا يَجبرنا للخُرُوج عن حلبة التِّجارة وسَيطرة الأجانب على السُّوق، مُبيِّناً أنَّ أُس المُشكلة يكمن في أنهم يُنافسون تُجّاراً أجانب مهنتهم الأصلية – في الخفاء – هي المُتاجرة بالدولار وبذلك جعلوا له ثلاثة أسعار في اليوم، سعر عند الصباح وآخر منتصف النهار وثالث نهاية اليوم.

قصة اليوان
تَاجِر فَضَّل حجب اسمه يقول لـ(السوداني) إنّهُ قبل خمسة أعوام ذهب مع زملائه إلى الصين لجلب عددٍ من أنواع البضائع المُختلفة، مُضيفاً إلى أنَّ أحدهم عندما نفدت العملات الأجنبية من جيبه استعان بأحد معارفهِ الصينيين لجلب عُملة تعينهُ كمصاريف فقط، وأثناء تبادلهم الحديث حول المبلغ تم اقتياد زميلهم – التاجر السوداني – من قِبل السُّلطات الصينية وبحوزته (واحد يوان صيني)، وحسب قانونهم في جمهورية الصين يُحظر تَبَادُل العُملات عبر السُّوق المُوازي، الأمر الذي أدّى إلى سجن زميلنا لمدة ثلاث سنوات في جمهورية الصين، وناشد الرجل الجهات الرَّسمية بالدَّولة إلى مُكافحة المُضاربين وتضييق الخِنَاق عليهم مثلما تَفعل الصِّين التي تعتبر المُضاربة في العُملة واقتصادها خطاً أحمر لا تَسمح لأيِّ كائنٍ من كَانَ اختراقه والمُضاربة فيه، وتَوقّع الرجل بمُعافاة الاقتصاد قريباً في حالة القضاء على تلك المافيا التي تمثل خَطراً ماثلاً في تَدهُّور الجنيه السوداني.

اتّهامٌ مُباشِرٌ
ولسماع وُجهة نظر الطَرف الثاني، التقت (السوداني) بتاجر أحذية – يمني الجنسية – شهير بـ”طارق اليمني” وقد نَفَى الرجُل ما يُشاع عن زُملائهِ التُّجّار الأجانب بأنّهم مُضاربون في العُملة خَاصّةً الدولار، مُشيراً إلى أنّهُ يَعمل في هذا المجال لمدة عامين، يقوم باستيراد حاويات الأحذية من دولة تُركيا، مُنوِّهاً إلى أنّه يعمل بالجنيه فقط وليست له علاقة بسوق الدولار لا من بعيد ولا من قريبٍ، لافتاً إلى أن السودانيين هم من أوَّل الدول التي رحّبت بهم إبان الحرب التي اندلعت ببلادهم، مُنوِّهاً أنه يمثل التُّجّار اليمنيين، وليس من المعروف المُضاربة في اقتصاد وضرر البلاد التي آوتهم وفتحت لهم أبوابها على مصراعيها، مُؤكِّداً أنّه ليس من مصلحتهِ كتاجرٍ ارتفاع أسعار الدولار لأنّه يؤدي إلى خسارتهم.

واجهة رأسمالية
من ناحيته، يقول الخبير الاقتصادي د. محمد الجاك لـ(السوداني) إنّ سُوق العُمْلات الأجنبية بالبلاد ولجت عليه بعض المكاتب الأجنبية من أجل الربح السريع، خَاصّةً المولات التجارية، مُشيراً إلى أنَّ الأجانب هم واجهة لبعض الرأسمالية السودانية، ودخولهم هذا المجال يزيد الطلب على الدولار ما يُحدث نُدرة، وأنّ النُدرة تؤدي إلى الارتفاع، وعَلّلَ حديثه بأنَّ واجهة الأجانب في شراء العُملة نسبةً لعدم وجود مَشَاكل فيما يَختص بسعر الصرف في بلدانهم، لافتاً إلى أنّ مُعظم مُوظّفِي البعثات الدبلوماسية الذين يَتقاضون رواتبهم بالدولار يقومون باستبدالها بالعُملة المحلية من أقرانهم الأجانب، وقال الجاك، إنّ الحكومة السابقة دَرَجت على تَوفير النقد الأجنبي لسد عجزها في استيراد المواد الخام وغيرها من التُّجّار الأجانب حتى لا تظهر على حَقيقتها بأنّها مُعدمة وتقوم بشراء حاجتها من الدولار من السُّوق المُوازي وأنّها أحد المُضاربين فيه.

شراكة أجنبية
رئيس الغُرفة التجارية بسوق ليبيا أيوب تابر يؤكد لـ(السوداني) أنّ عمل الأجانب في سوق ليبيا مُتعدِّد الأنشطة مثل محلات الأقمشة، الأحذية، المطاعم، الصوالين، وبخصوص مُضاربتهم في الدولار قال تابر، إنَّ الغرفة ليس لها علمٌ بذلك، مُشيراً إلى أنّهم في عملهم بالتجارة يستعينون بالسودانيين فيما يلي الرُخصة التجارية، ويدخلون عبر شُركاء في العمل وهو التجارة كالأحذية وغيرها، مُنوِّهاً إلى أنّ أعداد التُّجّار الأجانب الآن بسوق ليبيا أخفَّ قدراً مُقارنةً بالأعوام السابقة نسبةً لتَدهُور العُملة المحلية مُقارنةً بالدولار مِمّا تَسَبّب لهم في خسائر وأدّى إلى خروجهم من السُّودان، لافتاً إلى أنّ الدكاكين والمَعارض بسُوق ليبيا هي امتدادٌ لشركات في كلٍّ من الصين، السعودية ودبي، وهي عبارة عن أفرع لشركات تعمل في المَجَالات المُختلفة كالأقمشة والأحذية وغيرها، لذلك أنّ مُعظم الأجانب يدخلون في شراكة مع سُودانيينٍ لضمان الرخصة التجارية، وقال تابر إنّ الغُرفة التجارية بالسوق تعمل على تقنين عمل الأجانب وإجراء الفحوصات الدورية لعُمّال الأنشطة الغذائية كالكافتيريات والصوالين والفحص الدوري كل (3) أشهر لعاملي هذا المجال، أمّا بخُصُوص الأنشطة التجارية، فيتم الفحص سنوياً مع تجديد الإقامة، مُؤكِّداً أنّ الغُرفة تَعِي جيِّداً ما يدور بالسوق، وأنّ عمل المُضاربات بالدولار من صميم عمل شُعبة الأمن الاقتصادي.

وكيل قانوني
من جهتهِ، يقول المحامي عبد الماجد الدغور لـ (السوداني)، إنّ القانون العام لأية دولة، لا يُوجد لأجنبي الحق في مُمارسة التجارة مع المُواطنين مُباشرةً، كما لا يجوز قانوناً للأجنبي أن يستورد أو يُباشر التجارة مع الجمهور “جُملة وقطاعي”، مُضيفاً أنّ هذا القانون القُطري لأية دولة في العالم بما في ذلك السودان، مُشيراً إلى أنّ الأجانب الذين يُمارسون النشاط التجاري بسوق ليبيا هم من ثلاث دول هي الصين، سوريا واليمن وقد استغلوا ظُرُوف السودان الأمنية والاقتصادية وحالة الفساد الطاغي الذي ساد بالبلاد أواخر عهد الإنقاذ البائد، مُنَوِّهاً إلى أنهم استطاعوا عبر فَسَاد المسؤولين الحكوميين ممارسة التجارة مع أصحاب البلاد المُواطنين والاستيراد والبيع في قِطَاعَيْ “الجملة والقطاعي”، وهذا يُخالف قانون البلاد، ُمؤكِّداً أنّ سند هؤلاء التُّجّار هُم وزراء، تنفيديون، ومَسؤولون سابقون بالدولة مَا أدّى إلى تفشي ظاهرة التُّجّار الأجانب وازدياد أعدادهم وتَوسُّع نشاطهم، مُنوِّهاً إلى أنّ عدد التُّجّار الأجانب بسوق ليبيا الآن وصل إلى (500) تاجر، لافتاً إلى أنّ النشاط الأساسي لمُعظمهم هو شراء الدولار بأيِّ سعر والمُضاربة فيه وتحويلهِ خارج البلاد بطرق غير مشروعة ليس عبر الجهاز المصرفي، مُعللاً أنّ الارتفاع الذي صاحب أسعار الدولار سببه الرئيسي هو مُضاربة الأجانب، واستشهد الدغور بحادثة تاجر سوداني في دولة الصين بأنهُ قام بعرض جهاز ريسيفر للبيع في إحدى أسواق الجمهورية تم إيداعهُ بالسجن لمدة (9) أشهر وبعد خروجه من السجن تَمّ طَرده من الصين وحُظر من الدخول إليها، وأن كل ما تعرّض له من تعذيبٍ جرّاء بيع ريسيفر، ناهيك عن ما يقوم الأجانب ببيعه في بلادنا، الدغور قال إنّهُ قام بتقديم مُذكرة للمجلس العسكري الانتقالي باعتبارهِ يمثل الجهة السيادية بالبلاد، وصُور من المذكرة لوزارتي التجارة الولائية والاتحادية لإصدار وتفعيل القوانين الصّارمة وعدم استثناء أية جهة مهما كانت، واتّباع مبدأ المُعاملة بالمثل، وإذا كَانَ قانون تلك الدول يَمنع السُّودانيين التّجارة بها، فإنّهُ يَنبغي مَنعهم بمُمَارسَة التجارة في السُّودان تَطبيقاً لمبدأ المُعَاملة بالمثل، عَازماً إلى أنّ عَدَدَ الأجانب بالسُّودان في الأسواق ومُضاربتهم بالدولار يسبِّب أضراراً اقتصاديةً لا حِصر لها في عدم استقرار الاقتصاد الوطني.

قوانين تجارية
لكن خبير القانون د. نبيل أديب لم يتّفق مع مَن سبقه بالحديث في كل ما ذهب إليه، حيث يُؤكِّد أديب لـ(السوداني) أنه وحسب القانون الدولي من حق الأجنبي مُمارسة التجارة في البلاد بشرط منحهِ إذن عمل، مُشيراً الى أنهُ لا بُدّ من التزامهِ بمُمارسة النشاط الذي يُحَدِّدهُ الإذن فقط دُون الجنوح لغيرهِ، مُبيِّناً أنَّ كل أجنبي محكوم بتأشيرة أو عمل، الذي يمنح من الدولة يوم دخوله، والذي يُؤكِّد أنّه مُصرَّحٌ له بالعمل، مُنوِّهاً إلى مبدأ المُعاملة بالمثل بين الدول لا يلزم الدولة بعمل الأجنبي بها، لأنّ دولته تمنح الآخر مُمارسة التِّجارة، مُؤكِّداً أنّ دور وزارة التجارة هي تسهيل عمل التجارة بين البلدان ومنح التصاديق للتجارة الخارجية وتَقنين العَمل.

اترك رد