فرح السودان.. تفاصيل يوم استثنائي

الخرطوم: القسم السياسي

يوم استثنائي في مسيرة الدولة السودانية ذات الـ63 عاما، جرت فيه الذكريات المريرة شريطا أمام عيون الجالسين والوقفين المطرقين (سرحا) في الماضي القريب، والحراك الثوري يكتنف الأحياء السودانية في كل المدن.. استدعى الجميع فتاة عطبرة التي حملت وليدها الجديد ووقفت وسط سحب الغاز المسيل للدموع، ويصرخ فيها الكبار أن أدخليه خوفا من موته اختناقا لتأتي الإجابة التي ألهبت الشارع: (من الأشرف أن يموت بالاختناق بدلا من موته من الجوع)، في إشارة إلى جفاف ثديها من اللبن بسبب ضيق المعيشة.
جحافل بشرية زينت الشارع وملأته جمالا وعبقته بهتافها المتنوع والمعزوف على أوجاع قفلب يبحث عن أمل.. (السوداني) كانت هناك لتغطي التفاعلات.

ماذا قال البرهان؟
قال رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، إن القوات المسلحة هي “شريك الشعب في التحرر”، معربا عن شكره لكل من أسهم في إنجاز الاتفاق المتعلق بالمرحلة الانتقالية، داعيا الشباب إلى “الإسهام في نهضة السودان”.
وأكد البرهان في كلمة ألقاها عقب التوقيع النهائي على وثائق المرحلة الانتقالية، أن هذه الثورة بلغت مراميها بتضحياتكم وتوقكم للحرية.. حيث أثبتم أنكم معلمون للشعوب بنيل مبتغاكم وبلوغكم مآلات التغيير عبر سلميتكم، التي ستظل محفورة في وجدان العالم وذاكرته الحية، وحفاظكم على ممتلكاتكم ونسيجكم الاجتماعي المتين.. وأتقدم لكم بجزيل الشكر على ذلك أيها الشعب العظيم”.
وأشار عبد الفتاح إلى أن القوات المسلحة بجميع مكوناتها، وجميع القوات النظامية الأخرى، أثبتت أنها حامي عرين هذا الوطن وشريك شعبه في التحرر والانطلاق، دون أن تفقد مهنيتها أو انضباطها أو أن تنجر للفتن، فكان أن مثلت جسر العبور للتغيير وصارت الحامي والمدافع عنه.
ونوه البرهان إلى أن الأيام التي أمضتها الأطراف في التفاوض بشأن الاتفاق، أثبتت أن من قادة الثورة رجال امتلأوا وطنية وحماسا وإخلاصا، وأن قوى إعلان الحرية والتغيير، والقوى الثورية الأخرى هم شركاء في هم الوطن وفي هم الإصلاح والتغيير، وتلك الأيام كشفت نقاء المعدن النفيس لكافة أطياف الشعب السوداني. وأضاف: حكماء الوطن وأصحاب المبادرات الوطنية الذين لم يبخلوا بالنصح والرؤى مكتوبة ومنطوقة في جلسات طويلة تفيض وطنية، شكلت تلك الآراء السراج الهادي لما توصلنا إليه من ترتيبات للفترة الانتقالية.

أجمل الرجال والكلمات
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد كان محل حفاوة الشعب السوداني في قاعة الصدتقة فما أن تُذكر إثيوبيا أو رئيس وزرائها إلا ويتعالى الهتاف والتصفيق والهتاف.. بيد أن أضخم الهتافات جاءت لدى تقديمه إلى المنصة لقول كلمته التي ابتدرها بأن “الطريق إلى الديمقراطية في السودان بدأ اليوم”، وأضاف: وصيتي لشعب السودان أن يكونوا حفظة للسلام، معتبرا أن هذا اليوم يوم انتصار لنا جميعا، لجميع من عمل من أجل السودان.
ولفت أحمد إلى أن بلاده دعمت الانتقال السلمي للسلطة في السودان، واصفا الرحلة للوصول إلى اتفاق اليوم بأنها “لم تكن سهلة”، موضحا أن مبادئ التحول الديمقراطي يجب أن تطبق بحذافيرها، مؤكدا أن السلام للأجيال القادمة، سيعتمد على ما تم إنجازه اليوم.

أعز الناس
الجنوب نال حظه من دفء عاطفة السودانيين، وهو ما تترجم أثناء كلمة الرئيس سلفا كير ميارديت، محييا من وصفهم بالذين أسهموا بكل الشجاعة وحب لبلادهم في وضع الأسس السياسية الجديدة في السودان، وأضاف: كثوار دائماً تكون أهدافنا محكومة برغبة الشعب في التغيير للأفضل في الدولة ولهذا فإن الثورة السودانية اليوم عكستْ تلك المبادئ السامية في تحقيق السلام والتنوع الجغرافي والديمقراطي والازدهار للشعب السوداني. مشيرا إلى أنه بالتوقيع على هذه الاتفاقية يكون الشعب السودان قد نجح في وضع الخارطة السياسية الجديدة نحو تحقيق تطلعاته، مؤكدا وقفته ودعمه لهذه الخارطة السياسية، ووقفة دولة جنوب السودان الشقيقة مع الشعب السوداني في خندق واحد حتى تتحقق أهداف هذه الرحلة.
وخص الرئيس سلفاكير بالتهاني الحارة قيادة قوى الحرية والتغيير وذلك للحوار الجاد وحسن النية خلال المفاوضات التي ساهمتْ بشكل كبير في حفظ السودان من الانزلاق نحو الهاوية وبتحقيق هذه الاتفاقية التي تلبي مطالب وتطلعات الشعب السوداني نحو حكم الديمقراطية وازدهار اقتصادي وتنمية اجتماعية.
وقطع سلفاكير بأن دعمهم للسودان لا ينبع من جانب سياسي أو أيدولوجي أو اقتصادي ولكن ينبع من رغبتهم في الجيرة الحسنة والازدهار القائم على تعايش سلمي بين شعبي البلدين، وأضاف: دعمنا للشعب السوداني ليستْ من باب الدبلوماسية الدولية ولكن هو التزام منا لأننا شعب واحد يعتمد على البعض الآخر.
وأكد الرئيس الجنوب سوداني إيمانه القاطع بان الفرصة الآن مواتية للسودان في ظل هذه التحول السياسي لتحقيق سلام شامل وحل شامل لكل القضايا السياسية في السودان، وأضاف: لتحقيق هذا الهدف فإنه من الضروري أن تُضم في الاعتبار الحركات المعارضة التي تحمل السلاح في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور يجب الجلوس على مائدة الحوار الجاد والصريح من أجل إيجاد الحلول السلمية.

الأصم يبهر الجميع
بجدارة اختارت قوى إعلان الحرية والتغيير الرجل المناسب في المكان المناسب، وسمت د.محمد ناجي الأصم ممثلا لها في المنصة مقدما برنامج متكامل للمرحلة الانتقالية، ليبتدر حديثه متعهدا بأن المحاسبة القانونية عن كل الجرائم بجانب ملف المفقودين ستكون على قائمة أولويات المرحلة المقبلة، مشددا على أنهم لن يسعوا للانتقام من منسوبي النظام السابق إنما محاسبتهم بالقانون، واصفا مشهد أسر الشهداء والجرحى والمفقودين وهم يتقدمون الصفوف والمواكب بالمبهر، وأضاف: حق شهداء الثورة السودانية وجرحاها ومفقوديها عبر كافة مراحلها ومواقيتها، نزولاً وصعوداً، كراً وفراً، دين علينا، وواجبنا رد هذا الدين والوفاء بهذا الحق عبر كافة السبل، بالقانون وعبر التحقيقات الشفافة النزيهة، بالمواكب وبحملات البحث والتقصي فهذا حقهم.وأكد الأصم لكوادر حزب المؤتمر الوطني المعزول بأنه الآن حصحص الحق وزُهق الباطل، وأضاف: اغتصبتم السلطة وقتلتم واعتقلتم وعذبتم وشردتم الشعب أكثركم صمت على الجرائم وأشاح عن الظلم، وتابع: عانت بلادنا خلال حكمكم الجائر من الويلات والحروب الداخلية والنزاعات، جاع الناس وتشردوا بين البلدان، امتهنت كرامتنا وضاقت الدنيا بنا، في سنوات حكمكم انتشر الفساد بصورة غير مسبوقة، في زمانكم ضاعت ثروات البلاد وتناثرت في جيوب قلة منكم.
وأكد الأصم أن الانتقام لن يكون منهجهم إنما المحاسبة والعقاب العادل. وقال: من لم يرتكب جرماً مشهوداً أو لم يقم بعمل منظور ضرره، فندعوه لحملة بناء الوطن من جديد، فربما غفر الشعب الجبار”. لتقاطعه الجماهير: (ما ننسى ولن نغفر).
وشدد الأصم على ضرورة التحقيق والمحاسبة في الجرائم التي ارتكبت في عهد النظام السابق، واعتبرها من أولويات الفترة الانتقالية.
كما دعا قادة الحركات المسلحة إلى إيقاف الحرب ووضع السلاح جانبا، وأضاف: ثورتنا كانت سلمية ولكن نعلم جيدا أن ثورة الشعب السوداني لم تبدأ اليوم ولقد ساهمتم فيها بالدماء والدموع والاضطرار لحمل السلاح دفاعا في كثير من الأحيان عن الحق في الحياة وفي المواطنة المتساوية والتنمية المتوازنة كما كنتم أيضا وكفصيل أصيل من فصائل الثورة بالكثوف العالية في المواكب وقد اختبرتم معنا النجاحات عبر السلمية، وعلينا اليوم أن نمتشق الحوار الجاد المنتج من أجل حل قضايانا وبصورة جذرية ونهائية.
ولفت الأصم إلى أن السلام أولوية كل عاقل، والحرب خيار اضطراري وحث على العمل معا، “من أجل السلام الشامل المُرضي بعقل مفتوح وقلب سليم لا سلام العقول المتسخة والقلوب الواجفة”.
واتهم محمد النظام السابق بتدمير علاقات السودان الخارجية وإضاعة مصالحه الاستراتيجية، وأضاف: أصبحت العلاقات الخارجية للبلاد في خدمة أيدولوجيا النظام وقبضة مصالح الطبقة الإسلامية الانتهازية الحاكمة. وأن الدمار الشامل الذي أطاح بعلاقات البلاد الخارجية جلب ضدنا العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية وأصبحنا أسرى الوصاية الدولية حيث مست هذه العقوبات السيادة الوطنية، وعرض مسيرتنا التنموية للخطر، مما يجعل من مهمة أعادة البلاد إلى المجتمع الدولي وإزالة آثار الدمار الشامل مهمة عاجلة وأولوية”.
واعتذر الأصم لكل شعوب العالم عن ثلاثين سنة من الغياب القسري عن مساهمة الدولة السودانية بصورة حقيقية ومباشرة في تطوير العالم وفي تنمية الشعوب والدفع بها نحو الرفاه وتمام الحقوق وسعادة الإنسانية، وأضاف: لا نطلب منكم سوى التعامل باحترام مع الشعب السوداني. فهو شعب قدم تضحيات كبيرة ليلحق بركب المدنية والحضارة والتطور. من وله أن يجد تقديرا استحقه فهو الذي قدم الدرس تلو الدرس في السلمية واللاعنف والنضال المشترك من أجل الحقوق، ونستحق أن تتعرفوا علينا من جديد فنحن أهل لذلك”.
وتأسف محمد ناجي على انفصال جنوب السودان بسبب سياسات النظام المعزول، واصفاً ذلك بالأمر القاسي. وقال: “سنعمل على أن نعود كما نود فراقنا كان قاسياً ولكن التئام شملنا ممكن نصفنا الحلو وعندما نقول السودان نتخيل هذه الخريطة الأليفة الكثيفة بالتنوع والتعدد نقترب ونتعاضد ونعمل سوياً لتطورنا ونمائنا المشترك”.

ماذا قالوا؟
جعفر الميرغني أعرب في حديثه لـ(السوداني) عن سعادتهم بهذا اليوم والاتفاق، قاطعا بأن الاتفاق في المقام الأول يحقن دماء أهل السودان، وأضاف: لا يسعنا إلا الترحم على كل الشهداء وأبناء وبنات السودان من أجل الوطن والسلام والاستقرار.
من جانبه أكد رئيس الوزراء الأسبق الجزولي دفع الله في حديثه لـ(السوداني) أن هذا يوم له ما بعده، معتبرا أنه يمثل يوما فاصلا بين مرحلتين مرحلة الثورة وبداية مرحلة الدولة، وأضاف: فالشعب العظيم صنع ثورة عظيمة بدماء أبنائه وتضحايته ووحدته، وحاليا وقع الوثائق الأساسية التي تؤهل لسودان المستقبل، منوها إلى أنه ومهما كانت الاختلافات حول هذه الوثائق ووصفها بالناقصة فإنه يجب إدراك أن الكمال لا يدرك، ويجب التعامل معها بأنها في مجملها مقبولة وخطوة عظيمة نحو سودان المستقبل وعلينا أن نقبلها، وأن نجعل ما فيها حقائق على أرض واقع السودان، قاطعا بأن هذا لا يتحقق إلا بالاتفاق على حكومة من كفاءات وطنية ذات بعد ونظر وكاريزما، مطالبا بالوقوف مع أعضائها ومساندتهم ويجب على الحكومة وضع برنامج واضحة للمرحلة القادمة يلبي المطلوبات العاجلة، ويخطط للمرحلة الديمقراطية لينطلق السودان في طريق الديمقراطية الطويل ونكون بذلك أنجزنا ما نريد.
وأكد دفع الله ضرورة استيعاب أن الطريق طويل جدا وأن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة وليس هناك من يصنع لنا تاريخنا ويبنبغي أن نصنع نحن ذاك التاريخ.
ونصح حمدوك بأن أمامه فرصة عظيمة وتاريخية له وشرف له أن يعين رئيسا لوزراء للشعب السوداني في هذه المرحلة الحساسة والحرجة في تاريخ البلاد، وعليه أن يكون على قدر هذا التحدي، وليكون تعامله مع أبناء السودان من مسافة واحدة وأن يتم البناء على القاسم المشترك الأدنى ونتفق عليه ونحققه، وله الشرف العظيم أن يكون قائد هذه المسيرة.

اترك رد