العين الثالثة || ضياء الدين بلال

عفواً.. لا تُمثِّلوا بنا!

-1-
أُتابع باهتمامٍ الأداء الإعلامي لعدد من المسؤولين في هذه الأيام.
أتعجَّب لكثافة حضورهم في كُلِّ أجهزة الإعلام المحلية والأجنبية.
مصدر العجب والدهشة: الوقت ما يزال مبكرا لأن يكون لهم ما يقولونه.
الوضع الطبيعي، أن يتمهَّل المسؤول في إطلاق التصريحات، وإجراء المقابلات المُطوَّلة إلى ما بعد جلوسه في المقعد والوقوف على أحوال المؤسسة، التي يجلس على رأسها والاستماع لمرؤوسيه.
بل الأفضل أن يبتعد عن الإعلام قبل أن يُرتّب أوراقه ويحدد أولوياته.
استسهال الظهور الإعلامي دون إعداد وترتيب واستعداد مسبق، يجرُّ كثيراً من الأخطاء على المسؤول، وقد يضعف صورته أمام الرأي العام بتشكيل انطباع سالب.

-2-
الإعلام الآن لم يعد اجتهادات شخصية، تخطئ وتصيب، ولا مقدرة على الحديث المنمق دون أخطاء نحوية وتعبيرية.
الإعلام -خاصة المرئي منه- علمٌ له قوانين وأسس تُحسب بالكلمة والعبارة وظلالها، مع قراءة لغة الجسد وحركة العيون ونبرة الصوت وإيماءة الرأس.
بإمكان مُخرجٍ مُتحاملٍ أن يختار لقطاتٍ وزوايا تُعطي انطباعاً نقيضاً لما يريده المتحدث، تُظهر الارتباك وعدم الثقة وربما تفضح الكذب.
باستطاعة مُحاوِرٍ مُتمرِّس استدراج المسؤول لقول ما لا يريد قوله ووضعه في مكان يسهل انتياشه منه.
لذا، هناك كورسات تأهيلية تعدها كثيرٌ من المراكز المتخصصة للمسؤولين في كيفية التعامل مع أجهزة الإعلام.

-3-
حينما ذهب الرئيس الأمريكي جورج بوش، إلى العراق بعد انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية، وأراد أن يُعلن الانتصار النهائي على نظام صدام، فإذا بمصوِّرٍ مُحترفٍ يلتقط لبوش صورة، خلفيتها لافتة تحذيرية، تحمل الخوف والتوجس، أفسدت طعم الانتصار.
كثيرٌ من الدول تضع ضوابط صارمة لظهور المسؤولين أمام أجهزة الإعلام والتقاط صورٍ لهم.
سوزان رايس، رغم وجودها بمنزل سفير السوداني في الأمم المتحدة، في دعوة عامة؛ رفضت التقاط صور مع السفير، بحجة أنها غير مستعدة – كأنثى – للتصوير!
الرفض في باطنه كان متعلقاً بعدم رغبتها في استخدام الصورة، لإعطاء إيحاء بتطبيع العلاقة بين الخرطوم وواشنطن، أو وضع العلاقة في مقام لم تصل إليه بعد.
في أسمرا، بإمكان الصحافيين الأجانب إجراء حوارات مع الرئيس أسياس أفورقي، ولكن لا يُسمح لهم بالتقاط صور، إذ يقوم إعلام الرئيس بالتصوير واختيار الصور، حتى المقابلات التلفزيونية تتمُّ بكاميرات إعلام الرئيس.
في عددٍ من دول الخليج، تأتي الأخبار الملكية والأميرية من الوكالة الرسمية إلى الصُّحف، مع تحديد رقم الصورة المُصاحِبة للخبر.

-4-
فوجئنا في بريطانيا، مهد الديمقراطية والحريات، أثناء زيارة لنا كمجموعة من الصحفيين؛ إلى مؤسسة طومسون فاونديشن، ونحن نطوف على المعالم السياسية والإعلامية، بوجود إجراءات مشددة لالتقاط الصور.
حتى في مجلس العموم البريطاني، مُنعنا من التقاط الصور.
الغريب جداً بالنسبة لنا، أن منع التصوير امتدَّ إلى صحيفة الفاينايشال تايمز.
في مرّات تشعر كأن الكاميرا التي تحملها، يتم التعامل معها كسلاح غير مرخص!

-5-
الدهشة التي أبدتها وزيرة الخارجية وهي تتلقَّى بعض أسئلة المحاور البارع بقناة الجزيرة أحمد طه، خاصة في السؤال عن إيران، ستُقرأ على نحو غير إيجابي.
ستصيب الدهشة كثيراً من الإعلاميين وأهل المراسم والبروتوكول، وهم يشاهدون أربعة من أعضاء المجلس السيادي وهم في مقام الرؤساء، يجلسون مثل التلاميذ أمام المحاور التلفزيوني.. مثل هذا لا يحدث في أيِّ مكانٍ في العالم!
أكبر خطأ صادم ارتُكب في هذا السياق، حينما قُدِّمت استشارة سيئة، لرئيس المجلس السيادي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ليقوم بإعلان ترويجي لقناة تلفزيونية عربية!
نعم، ليس مطلوباً من المسؤولين معرفة كل ذلك، بكل هذه التفاصيل، ولكن من واجب مستشاريهم ومعاونيهم تنبيههم وإرشادهم لما يحفظ صورتهم ويصون سمعتهم الإعلامية من السخرية والاستهزاء.

-أخيراً-
حينما يظهر المسؤول الرفيع في أجهزة الإعلام الأجنبية، يجب أن يُمثِّل شعبه ودولته على أفضل وجه، لا أن يُمثِّل بهم!

اترك رد