النقابات.. بين السَدَنة والثُوَّار!!

الخرطوم: مشاعر أحمد

في ديسمبر الماضي، دشّن تجمُّع المهنيين السودانيين صفحته على موقع التّواصُل الاجتماعي (فيسبوك)، مُنادياً عبرها بإسقاط النظام السابق عبر دعواته لتظاهراتٍ ووقفاتٍ احتجاجيةٍ، وبعد نجاح الثورة التي قَادَها وأصبح هَدَف الشارع السُّوداني التّغيير الشامل وطَرد أبواق النظام السَّابق، الأمر الذي جعل كل مُؤسّسة تَسعى لتكوين نقابة مهنية بعيداً عن النقابات التي أسّسها النظام البائد دُون قواعد…
(السوداني) سعت لإيجاد إجابات على بعض الأسئلة عن مصير النقابات:-

حلها أو إلغاء القانون
بَعد سُقُوط النظام في الحادي عشر من أبريل المنصرم، أصدر رئيس المجلس العسكري حينها عبد الفتاح البرهان، قراراً في الثامن والعشرين من ذات الشهر بتجميد نشاط النقابات والاتحادات المهنية والاتحاد العام لأصحاب العمل، كما نص القرار على تكليف عددٍ من اللجان لحصر وضبط العُهد والأُصول والمُعاملات المالية، مع تخويل اللجان سلطة القيام بأيِّ أعمال أو واجبات تمليها الظروف وتتعلّق بالنواحي الاجتماعية والتكافُلية والإنسانية لمنسوبي النقابات والاتّحادات المُختلفة، وذات القرار وجّه مُسَجِّل عام تنظيمات العمل بالشروع في تكوين لجان تسيير لمهام التنظيمات لحين انعقاد، الجمعيات العمومية.. إلا أنّ القرار لم يستمر كثيراً، وفي أقل من شهرٍ، أصدر المجلس العسكري في الثاني والعشرين من مايو الماضي، قراراً قَضَى بإلغاء تجميد نشاط نقابات واتّحادات مهنية، وشَمَلَ كلاً من النقابات المهنية، الاتّحادات المهنية والاتّحاد العام لأصحاب العمل القومي.

المُختص في الشأن النقابي محمد علي خوجلي يذهب في حديثه لـ(السوداني) إلى أنّ دورة اتّحاد العُمّال تنتهي في 2021م، فيما انتهت دورة الاتحادات المهنية العامة في أغسطس الماضي، مُشيراً إلى أنّه لا تُوجد رؤية واضحة حول التّعامُل مع النقابات القائمة، مُضيفاً: لكن هناك دعوة لحلها وإلغاء القانون وجعل قانون 1987م بديلاً، رغم أنّه يجد انتقادات واسعة، مُشدِّداً على أنّ البعض يدعو لسحب الثقة من النقابات مع إقامة نقابات في المُنشآت التي لا تُوجد بها نقابات، مُشيراً إلى أنّ هُناك ما يُقارب الـ90% من العاملين لا نقابات لهم، وأوضح خوجلي أنّ هناك مشروعات قوانين لنقابات جديدة، ولكن الأمر للجمعيات العُمُومية وليس الحكومة أو الأحزاب، مُضيفاً أنّ الاتّجاه لإقامة نقابات بالقانون الذي يتبع لاتّحاد العُمّال لا فائدة منه، لأنّه يُخالف طبيعتها ولا يُراعي المُتغيِّرات التي حَدَثت خلال العُقُود المَاضية من حيث الإعداد والتّخصُّصات، كَمَا يُخالف التجربة الإنسانية وخَاصّةً في المنطقتين العربية والأفريقية، مُستبعداً وجود دولة عميقة داخل النقابات، كما أنّ هناك عدداً كبيراً من شباب العاملين مُتمسِّكون بالنقابات الحُرّة الديمقراطية والمستقلة.

فك شفرة الإنقاذ
عُضو اللجنة التمهيدية لاستعادة نقابة الصحفيين ماهر أبو جوخ يذهب في حديثه لـ(السوداني) إلى أنّ اتّحاد الصحفيين جسمٌ ليست لديه علاقة بالصحفيين ويضم صحفيين ومُوظّفي علاقات عامة ومنسوبين للقوات النظامية ولا يعتبر نقابة للصحفيين، مُوضِّحاً إذا كَانَ يُعبِّر عن الصحفيين لما كانت هناك حاجة لتشكيل جسمٍ مثل اللجنة التمهيدية لاستعادة النقابة، ولا يُشَكِّل جسماً اسمه نقابة الصحفيين الشرعية، وشدد أبو جوخ، على أنّ الإنقاذ عَمدَت للسيطرة على الأجسام النقابية والفئوية من أجل إحكام سيطرتها، لذلك أسّست لقوانين سيئة الصيت، حيث أنشأت نقابات المنشأة كان الغرض منها توسعة المهن لتشمل آخرين للاستفادة من الكادر وتغطية ضعفهم، مُضيفاً أنّ الأمر أفرز نقابات، اختيارها وانتخابها يتم عبر الآلية السِّياسيَّة للحزب الحاكم، كما تمّ إنشاء إدارة في جهاز الأمن حتى تضيق على النقابات، وسُميت بأمن النقابات مِمّا أنتج نقابات فوقية ليست لديها قواعد تُعينها بشكلٍ سياسي، وأضاف أنّ الأجسام التي تَمّ تكوينها ينطبق عليها المرسوم الدستوري في الفقرة التي تنص على تصفية كل صور التّمكين الاقتصادي والسِّياسي والأمني للمؤتمر الوطني، مُشيراً إلى أنّ قرار فك تجميد النقابات جاء لأنه تترتّب عليه عُقُوبات الاتحادات العمالية وفقدان السودان لمناصبه، مُوضِّحاً أنّ النقابات طبيعتها سياسية منحها النظام السابق لخدمته وليست لديهم قواعد، لذلك الإجراء غير مُخيفٍ ومِن حَق الحركة النقابية في السودان أن تُدير شؤونها وفقاً لمصلحتها ومصلحة بلدها، وأوضح أبو جوخ بأن تحل النقابات والدعوة للجمعيات العمومية لدورات طارئة يتم من خلالها تشكيل لجان تمهيدية تتولى وضع قوانين أو دساتير لكل نقابة من النقابات يتيح تأسيسها بشكلٍ ديمقراطي يقوم على أساس النقابات المهنية وليس نقابات المنشأة، وإذا ما شاء العاملون في أيِّ منشأة أن ينظموا أنفسهم بشكلٍ نقابي يجوز لهم في إطار عملهم، وقال: المطلوب أن تشرع وزارة الرعاية الاجتماعية في نقاشٍ ووضع مسودة مع اللجان لقانون نقابات ديمقراطي يتم الاتّفاق عليه ويصبح المَرجعية لقوانين تُنَظِّم قوانين العمل يقتضي مُواءمة قانون العمل الحالي أو القادم مع نُصُوص قانون النقابات الديمقراطي حقهم في الإضراب والاحتجاج، مُوضِّحاً أن إثارة منسوبي النظام السابق للبلبلة خوفاً على مصالحهم الخَاصّة، ولكن يجب أن يترك الأمر للجمعيات العمومية وإن كانت لديهم قواعد ستأتي بهم.

ما لا يُحمد عقباه
رئيس النقابة العامة لعمال المصارف يوسف العبيد يذهب في حديثه لـ(السوداني) إلى أنّ نقابتهم تضم أكثر من (100) جسم نقابي يمثل كل أطياف السودان، مُوضِّحاً أنها أجرت انتخابات حُرة وحقيقيّة في أكثر من موقعٍ، وأنّ التصويت كان بإرادة العاملين، وأنّ عدداً من الفائزين لم تكن لديهم علاقة بالنظام السابق، وأضاف أن دورة النقابة الحالية تنتهي في 2021م، ولكن إرادة العاملين هي التي تتغلّب إذا أرادوا استمرارها ومِن ثَمّ إجراء انتخابات أو حلها وتكوين جِسمٍ جديدٍ، مُؤكِّداً أنّ التغيير سيكون وفقاً للقانون وبالضوابط والإجراءات المُحدّدة بالقانون، مُشيراً إلى أنّ النقابات تعبتر صمام أمام لعُبُور الفترة الانتقالية، وأيِّ عدم استقرار يتحمّله المُواطن قبل العاملين خاصةً في النقابات التي تتبع للقطاع الاقتصادي، مُشدداً على أنّ نقابة المصارف لم تكن ذات طابع سياسي، بَل كَانت تعمل بشعار لكلٍّ حزبه والنقابة للجميع، وأنّها في الفترة المُقبلة ستلعب دَوراً كَبيراً في رفع الاقتصاد من حيث رفع قُدرات العَاملين وجُهدهم، مُؤكِّداً أنّ أيِّ تراجع في الأداء الاقتصادي ربما يؤدي إلى ما لا يُحمد عقباه.
عُضو نقابة الأطباء د. محمد ياسين يذهب في حديثه لـ(السوداني) إلى أن اتحاد الأطباء ونقابة المهن الطبية والصحية لا تمثل الأطباء، وإنما تُعبتر واجهة لأبواق النظام السابق، انتهاء دورته أو بقاؤها لا يعني الأطباء في شَيءٍ، مُوضِّحاً أنّ نقابة الأطباء الشرعية تَعمل في الوقت الراهن من أجل تكوين جِسمٍ يمثلها، وأنّها في مرحلة إعداد التصور ووضع برنامج لتكوين لجنة تمهيدية لنقابة الأطباء، مُوضِّحاً أنّ لجنة النقابات بتجمُّع المهنيين لوضع قوانين للنقابات وكيفية تكوينها، وأشار ياسين إلى أن الجسم المُوحّد للأطباء يضم ثلاثة مُكوِّنات، “لجنة أطباء السودان المركزية ولجنة الاستشاريين والاختصاصيين ونقابة السودان الشرعية”، مُضيفاً أنّ الجسم كُوِّن في ديسمبر الماضي، مُؤكِّداً أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان به مادة حق التّنظيم، والنقابة تتكوّن حسب الفئة التي تختار بالطرق التي يراها مُناسبة، مُشدِّداً على أنّ الأطباء سيقلعون موروثاتهم وممتلكاتهم من النظام السابق وليست هناك أيِّ مرجعية في الخطوة.

أهل الشأن يوضحون
عضو مُبادرة إعادة نقابة المهندسين عبد الله الدنقلاوي يقول في حديثه لـ(السوداني)، إنّ نقابتهم فئوية لذلك تم تكوين مُبادرة لاستعادة المهندسين منذ 2013م، مُشيراً إلى شروعهم في تكوين نقابة تمثل جميع المُهندسين باختلاف تخصُّصاتهم، كاشفاً عن عقدهم ورشة لتوضيح الرؤية حول النقابة وتكوينها، وقال إنّهم اقترحوا تشريع قانون جديد غير قانون 1987م، مُعتبرين أنّه قَانونٌ فَئويٌّ، وأن يراعي فيه القوانين العالمية والدولية في النقابات، مُؤكِّداً أنّ المُبادرة أسّست فرعيات في الأقاليم، ومن ثم سيتم تكوين لجنة تمهيدية، وأضاف الدنقلاوي أنّ اتّحاد المهندسين لا يمثل أيّ مهندسٍ، وأنهم ضد كل الاتحادات المهنية لأنها لا تُعبِّر عن النقابات، كما طالب بإلغاء القانون.
في وقتٍ قالت فيه عضو لجنة المُعلِّمين قمرية عمر لـ(السوداني)، إنّ لجنة المُعلِّمين كُوِّنت منذ 2010 لاستعادة النقابة، مُشيرة إلى أنّ خَطوتهم القَادمة الشروع في قانون جديدٍ وإلغاء قَانون نقابة المنشأة لأنّه لا يُلبِّي رغبات المُعلِّمين ولا حتى بقية المِهن، مُؤكِّدة أنّ مطالبتهم بقانون جديد لإقامة نقابات مهنية، وأوضحت قمرية أنّهم يعتزمون سحب الثقة من النقابة ومن ثم سيكوِّنون لجان تسيير حتى تكوين النقابة الجديدة.
بالقانون!!

وعن كيفية التّعامُل مع النقابات بعد التغيير الذي تمّ بالقانون، يقول القانوني الفاضل حاج سليمان لـ(السوداني)، إنّ الثورة التي حلت الحكومة لديها الحق في حل النقابات، ولا بُدّ من إجراء انتخابات بمُوجب القانون الذي يحكم تلك النقابات، مُشيراً إلى أنّ مجلس الوزراء لديه السُّلطة في حل النقابات والتوجيه بتشريع قانونٍ حديثٍ، وكذلك يحق له أخذ قرار استمرارها لحين انتهاء مدتها ومِن ثَمّ إجراء انتخابات، مُوضِّحاً أن النقابات لا تتبع للأنظمة، إنّما مهنية، ويجب أن لا يتم تسييسها وتترك لخدمة العُمّال وأن تُعبِّر عَن عُضويتها.
فيما يقول القانوني معز حضرة لـ(السوداني)، إنّ القرار الصحيح أن يتم إلغاء كل النقابات الموجودة لأنها أُنشأت في ظل النظام السابق، وهو نظام لا يمتلك الشرعية لقيام النقابات، مُشيراً لوجود عددٍ من النقابات مشكوك في شرعيتها وقُدِّمت فيها طعون أبرزها نقابة المحامين، مُشدِّداً على أن القرار الصحيح هو إلغاء النقابات وإصدار قرار بتكوين لجان تسيير في كل نقابة مع تعديل عددٍ من القوانين المُنشأة، مُطالباً بفتح ملفات نقابات المُنشأة لأنّ به فساداً واختلاسات وجرائم، التي ارتكبها النظام السّابق، وطالب حضرة بتشريع قوانين جديدة تتماشى مع رُوح الثورة، لأنّ النقابات السابقة كانت تقف مع السلطة والحزب ضد منسوبيها ولم تقدم شيئاً للشعب أو عُضويتها.

اترك رد