أقاصي الدنيا ….محمد محمد خير

قلب مفتوح

أرجو من سكرتارية تحرير (السوداني)، نشرَ هذا العمود في المساحة يمين الصفحة التي اعتادت السكرتارية تخصيصها لعمود الأستاذ الطاهر ساتي، المقطوف فؤاداً قطفاً. وذلك تضامناً مع قلبه المفتوح.
تلقَّيتُ هذا الخبر بلا وجل، لأن تجربتي مع القلب العام الماضي، أثبتت لي أن الطب الحديث حوَّل أمراض القلب لمرض أشبه بالصداع، فأسهل الأمراض علاجا هي أمراض القلب، غير أن ذلك يتوقف على سرعة التطبيب ومهارة الجراح ودقة التشخيص، وبدا لي أن ذلك قد حدث لساتي.
فزدت طمأنينة .
تابعت الصور التي تأتي من جدة، حيث أجريت العملية، فكانت تلك الصور حدثاً مجاوراً للعملية. صور تجسد لونية التعاضد ووجدان التشارك والهمة .
طار نفر من أحباب ساتي لجدة لحضور العملية، وكان ذلك فقط ما أبكاني عطفا على حالي، فقد أمضيت الأشهر الفائتة منذ يوليو الماضي في رعب لم أُعايشه مع المرض الخبيث طيلة السنوات الأربع الماضية، وأنا وحدي أجابه مكنات تصوير وإبر وأجهزة أخذ العينة في محيط يتحدث اللغة الانجليزية المبراة من مفردات الوجدان فلا تسمع (ربنا يكتب الشفا.. ولا بالسلامة) .
لم يكن معي غير زوجتي وأحد أبنائي واتصالات متقطعة من السر سيد أحمد والواثق كمير، وتطمينات حذرة من دكتور الصاوي من السعودية، غير أن الدكتور نزار خالد كان أكبر الداعمين وأكثرهم تفاؤلاً .
قلب ساتي مفازة واسعة هرع نحوها الأصدقاء من الخرطوم، ومن جدة تسمر جمال الوالي في المستشفى في انتظار القادمين من السودان لتتشكل أقوى جبهة مساندة لقلب ساتي، وهو ينفتح على شريان تاجي جديد يسنده لإكمال مهمته في الكشف عن التلاعب بأوزان الخبز والتفاني في وزن الخبث واللصوصية، وإخفاء الدواء ومص آخر قطرات دم الناس، وذلك هو محتوى عمود ساتي منذ انتباهه فيما مضى لفصل تعاليم الدين عن الدولة، لذا أصبح عموده قبلة للقراء المناهضين للفساد.
قيمة كتابة ساتي لا تتوقف في حد مضمونها، إنما لأنها أيضا لا تخرج عن مزاج القراء الجارف وذلك ما لباه ساتي بحذق درامي مبهر، فأنت تضحك وتثور وتتوعد وتذوب داخل النص بقوة تماسكه ولطائف سرديته وصوره المشهدية. خلطة تزاوج بين اللغة العادية وجمال دلالاتها وخط سيرها نحو نهاية لا تنتهي.
الصور التي رأيتها من مستشفى جدة نقلتني من قلب ساتي لقلب صحيفة (السوداني)، حيث اعتاد على ممارسة الود أعلى لونيات سماحتنا السودانية، فقد اعتدت على ملء جوانحي بهذا العبق طيلة أيامي في السودان. (أستاذ كبير يا) يطلقها راشد موظف الاستقبال، ونغمة حنونة من الحاج سائق ضياء الدين، ثم ضحكة داوية من ياسر في قسم الأخبار ولا أنسى عبد الباسط بتلك الابتسامة التي تربها أسنانه، ولينا يعقوب وهي تسير بقوة نحو مداركها، والصغيرة وجدان و(الجن الثوري الأصلي) حين تعانق عمرو شعبان .
حين تصعد للطابق الأول تجد ساتي والكمبيوتر والبحث في شبهة فساد، أما مكتب ضياء، فذلك سوق عكاظ صحفي، ومن هنا أُبلغ سلامي لبرجاس.

اترك رد