حالة الطوارئ ما بعد الثورة.. هل ستُجدد أم تُرفع؟

الخرطوم: وجدان طلحة

تتكاثف وتتزايد كلما سجلت الأرقاميوماً جديداً في تاريخ حكومة ما بعد الثورة، فالجميع ينتظر ويترقب ما ستؤول إليه أحوال البلاد المقبلة على خواتيم حالة الطوارئ التي عطلت الدستور منذ ما قبل 11 إبريل.. أبرز الأسئلة حول ما إذا كانت أحوال البلاد ستتيح رفع الطوارئ إلى غير رجعة أم ثمة تجديد قادم في الطريق؟ وهل اختفت الأسباب التي أدت إلى إصدارها مجدداً بعد الثورة ؟ ومن المختص باتخاذ قرار حولها؟.

النقاط فوق الحروف
قوى الحرية والتغيير استبقت الجميع وأعلنت موقفها من الطوارئ ربما بحكم أنها تمثل المرجعية السياسية لحكومة ما بعد الثورة، وأعلن المتحدث الرسمي باسمها وجدي صالح في مؤتمر صحفي أمس، تأييد قوى الحرية والتغيير لتجديد حالة الطوارئ، مبرراً ذلك بالظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. وكشف صالح عن وجود مؤامرات داخلية وخارجية، لإجهاض الثورة، وخلق حالة من عدم الاستقرار بالبلاد، وأضاف: قوى النظام السابق هي قوى ظلام تعمل ليلاً ونهاراً لإجهاض الثورة، وإثارة المشكلات لزعزعة الأمن والاستقرار في البلاد، كما أن هناك قوى دولية وإقليمية -لم يحددها- ليس من مصلحتها نجاح الثورة في السودان، لأنها لا تريد الديمقراطية. وتذهب العديد من التحليلات إلى أن موقف الحرية والتغيير من إعلان الطوارئ يتسق مع مخاوفها من المؤامرات التي تحاك بالفعل على الثورة.

ليست عاطفية
(ماتزال الفترة الانتقالية معرضة للتهديد) بحسب رأي الكثير من الناشطين، بيد أن المواطن لا يحفل كثيراً بحسابات السياسيين ومعطيات الثوار بقدر ما ينتظر أن تقدم وتوفر له الحكومة التي دعم وجودها بمساهمته في إسقاط النظام البائد وضعاً معيشياً أفضل، لجهة أن همه الأول (قفة الملاح، المواصلات، الخبز).. في الجانب الآخر الحكومة تُعلن عن ضبطيات لتهريب الوقود والخبز وفق قانون الطوارئ، وتؤكد وجود قيادات النظام البائد بالسجن بذات القانون، لكن توجد مطالبات برفع حالة الطوارئ بحجة أنها مقيدة للحريات .
ويذهب الخبير الأمني عبدالله حنفي في حديثه لـ(السوداني) إلى أن التحديات التي تواجه الفترة الانتقالية ما تزال قائمة، لذلك سيتم تمديد حالة الطوارئ بالبلاد لـ 3 شهور أو حتى تكوين المجلس التشريعي، مشيراً إلى أن التحديات تتمثل في عدم تحقيق السلام وما تزال الخلافات قائمة بين بعض مكونات الحرية والتغيير بالإضافة إلى عدم اكتمال هياكل الفترة الانتقالية وعدم اكتمال مجلس الوزراء وتشكيل المجلس التشريعي، فضلاً عن المهدد الاقتصادي وندرة السلع وعملية التهريب المنظم وعدم وجود برنامج للفترة الانتقالية وسياساتها حتى الآن .
حنفي يرى أن تجديد حالة الطوارئ أو رفعها ليست مسألة عاطفية ولا يمكن التهاون فيها، وقال إن رموز النظام البائد تم اعتقالهم بموجب قانون الطوارئ وإذا لم يُجدد قرار الطوارئ سيتم الإفراج عنهم فورا، واضاف: اذا لم يتم تجديد القرار فإن الحكومة لن تستطيع اتخاذ إجراءات غير تقليدية مثل الأحداث الأخيرة التي شهدتها بورتسودان ، منوهاً إلى أنها يمكن أن تحدث في أي موقع حتى العاصمة، وأضاف: مجلس السيادة ومجلس الوزراء لا يستطيعان اتخاذ إجراءات إلا بقرار وفقاً لحالة الطوارئ .

السلام أولاً
حنفي اعتبر أن المدخل الحقيقي للاستقرار وبالتالي رفع حالة الطوارئ يتمثل في تحقيق السلام، منوهاً إلى أن السلام لم يتحقق حتى اللحظة وما تزال الحركات المسلحة موجودة في جبال النوبة وجزء من جبل مرة بالإضافة إلى استمرار تدفق السلاح والأوضاع الهشة في بعض دول الجوار، في ظل وجود المهدد الأمني الداخلي فالأوضاع لم تترتب بعد فضلا عن التصعيد والتباين في المواقف حتى داخل قوى الحرية والتغيير، مشيراً إلى الحراك السياسي والإضراب والوقفات الاحتجاجية,, فيها عدم احترام للقانون أحياناً واستغلال الحريات المتاحة بطريقة غير مرغوب فيها، منوهاً إلى أن كل ذلك يتطلب تجديد حالة الطوارئ، مشيراً إلى أن بعض الولايات كانت تعمل بحالة الطوارئ مثل كسلا وبورتسودان، وأضاف: في عهد النظام البائد كان معمولاً بها في بعض مناطق دارفور.
قانون الطوارئ بحسب حنفي ليس سنة في السودان بل فرضته ظروف معينة وهي حماية الأمن الداخلي والإقليمي وحماية المواطن، قاطعاً بأنها ليس كبتا للحريات لكنها عُرف وبعض دول الجوار تحكم بها منذ سنوات، منوهاً إلى أنها إجراء غير تقليدي يستمر لفترة محددة، منوهاً إلى أن حالة الطوارئ تتم أيضاً في مناطق بها حرب عصابات وكوارث طبيعية أحياناً.

انسياب المعلومات
الخبيرة القانونية سامية الهاشمي أكدت في حديثها لـ(السوداني) أنه من الصعب التكهن بأن الحكومة ستجدد حالة الطوارئ أم لا وذلك لعدم انسياب المعلومات المؤكدة من أجهزة الدولة للمواطن خاصة المتعلقة بالوضع الأمني، مستدركة: من المرجح تجديد حالة الطوارئ، مشيرة إلى أنه بعد مرور شهر على الحكومة المدنية يجب أن تختفي المظاهر العسكرية. الهاشمي أكدت أن حالة الأمن تستدعي العمل على مدنية الأجهزة واعتيادية الحياة، وأضافت: نريد أن نطبق القانون بوضعه الطبيعي وليس الاستثنائي خاصة أن من مهام الفترة الانتقالية العمل السلمي واستصحاب كل القوى المعارضة، مشيرة إلى أن السلام لا يتحقق بفرض حالة الطوارئ بل بالحوار، لافتة إلى إيقاف إطلاق النار منذ العام 2012م .

مصلحة واستحياء
المحلل السياسي صلاح الدومة أكد لـ(السوداني) أن تجديد أو رفع حالة الطوارئ يتوقف على مصلحة الدولة العميقة لأنها هي التي تدير البلاد الآن وسترى مصلحتها) وتقرر، مستدركاً: مصلحتها متغيرة وتبحث عن أيهما أفضل وستنفذه .
الدومة أكد أنه يجب رفع حالة الطوارئ لأن الوثيقة السياسية والدستورية تم توقيعها وتشكلت الحكومة، وقال إن المشكلة في الحكومة القائمة الآن أنها بدأت تخذل المواطن وتتعامل باستحياء مع القيادات الفاسدة والمجرمة من النظام البائد التي لا تشبع من سفك دماء الأبرياء، منتقداً مقابلة المدنيين والحكومة لهذا الأمر بـ(ليونة) لا تشبه الثورة والطريقة البشعة التي تم بها قتل شهداء الاعتصام .

التمديد أو التجديد
الناطق باسم الحرية والتغيير وجدي صالح أكد في حديثه لـ(السوداني) أن البلاد الآن في مرحلة انتقالية خطيرة ولا بد من تجديد حالة الطوارئ للمحافظة على الثورة وأهدافها، قاطعاً بأن الأوضاع التي يعيشها السودان حالياً استثنائية وتتطلب تجديد حالة الطوارئ منوهاً إلى أن استمرارها للمحافظة على الاستقرار بالبلاد، مؤكداً بأن القرار يصدر من مؤسسات السلطة الانتقالية وهما مجلس السيادة والوزراء وقال هما سلطة واحدة ولا يوجد ما يسمى عسكريين ومدنيين .
صالح قال إن الحكومة هي التي تقرر رفع أو تجديد حالة الطوارئ. وأضاف: أن المكون العسكري بمجلس السيادة لا يصدر قراراً فردياً.

ضربة البداية
في الثاني والعشرين من فبراير الماضي أعلن الرئيس المخلوع عمر البشير حالة الطوارئ بالبلاد لمدة عام، القرار جاء بعد مظاهرات ديسمبر الماضي التي اقتلعت النظام البائد، إلا أن قوى الحرية والتغيير المحرك للشارع السوداني دعت المواطنين للاستمرار في المظاهرات، ليخرج الشارع عملياً في ذات ليلة إعلان الطوارئ، وهو ما قاد إلى تشكيل محاكم ومحاكمات عاجلة للمتظاهرين باعتبارهم يتحدون قرارات الطوارئ التي تمنع التجمع والتظاهر، وضمت الحراسات والمعتقلات المئات من الثوار آنذاك.
في 11 إبريل الماضي أعلن وزير الدفاع السابق رئيس اللجنة الأمنية عوض ابنعوف الإطاحة برأس النظام البائد، وأعلن حالة الطوارئ لمدة 3 شهور وفرض حظراً للتجوال لمدة شهرن وهو ما كسره الشارع في لحظته إذ شهد ميدان الاعتصام وشوارع الخرطوم حركة دائمة ومتعمدة بأمر قيادة الثورة فضلاً عن مواصلة الاعتصام لإسقاط ابنعوف نفسه باعتباره امتداداً لنظام المخلوع.
السودان عرف حالة الطوارئ على فترات مختلفة، فمثلاً بعد الانتفاضات أو تغيير الحكومات يتم إعلان حالة الطوارئ خوفاً من استغلال حالة السيولة من قبل أصحاب الغرض.
قانون الطوارئ يعني تعطيل الدستور والقوانين المعمول بها بالبلاد، ويتم إصداره لحفظ الأمن الداخلي والإقليمي للدولة، لكن عندما أصدره الرئيس المخلوع قُوبل القرار بالرفض، واعتبره مواطنون مصادرة لحرياتهم ولا جدوى منه، وشككوا في القرار نفسه لأن توقيته وأسباب إصداره لا يقبلها العقل والمنطق، وقالوا إن الرئيس المخلوع أصدره لحماية نظامه من غضب الشعب وليس لأمن العباد والبلاد.

اترك رد