حاطب ليل… عبداللطيف البوني

لزومو شنو؟

(1)
في مطلع ثمانينات القرن الماضي، كانت ظاهرة الاغتراب ليست بذات الكثافة الحالية، فكانت عودة المغترب في الإجازة مِمّا يحتفى به، إذ تُذبح لها الذبائح وتُقام لها الولائم ويدعى لها المعازيم.
ففي إحدى هذه المَلَمّات كان صديقنا داؤود حُضُوراً وآخر انبساط، فسأل أحدهم، صاحب المُناسبة متى جاء البلد آخر مرة؟ فرد قبل ثلاث سنوات، ففجأة انتفض داؤود وخرج غاضباً بعد أن صَفَعَ الباب خلفه بقوة وهو يقول: (تلاتة سنين, تلاتة سنين, والله كويس يا حمد ما تَعزِّيني في أبوي؟ وكمان تعزمني وتتضاحك معاي؟ يعني أبوي فطيسة؟)
فداؤود الذي توفي والده قبل أكثر من عامين لولا السؤال ما كان سيدرك أنّ حمد لم يُعزِّه في والده وكانت الأمور سوف تمضي طبيعية..!

(2)
مُناسبة الرمية أعلاه، هي أنّ الناس في السودان قد استقبل حكومة حمدوك بصورةٍ فوق المُعدّل، وكان ومازال العشم فيها كبيراً، وتوقُّعات ومُتطلبات الناس تترى وتتنوّع، فعندما صَرّحَ حمدوك في الرياض الأسبوع الماضي، إنه لم يستلم أيِّ برنامج من جماعة “ق ح ت” ومازال ينتظرهم حتى الآن!! أها عينك ما تشوف إلا النور، قامت الدنيا وهاك يا كواريك، لماذا لم يكن لـ”ق ح ت” برنامجٌ؟ ولماذا يعمل حمدوك بدون برنامج؟ يعني الحكومة شَغّالة أم فكو.. شَغّالة رزق اليوم باليوم.. وابتعلت “ق ح ت” الطعم، فقال الناطق باسمها إنّ لديهم برنامجاً جاهزاً ولكنه في طور التنقيح، وإنهم سوف يقدِّمونه في الأيام القليلة القادمة.
ومن جانبه، قال حمدوك إنّ مجلس وزرائه قد تقسم إلى تخصصات، وكل تَخصُّص عاكفٌ على وضع برنامجه وأصبح الناس في السودان الآن في انتظار البرنامج مثلما طال انتظارهم للوثيقة الدستورية وكأن البرنامج سيكون به الحل السحري لكل المشاكل، علماً بأنه قبل تصريح الرياض لم يسأل أحدٌ عن هذا البرنامج!!

(3)
أي حكومة انتقالية خُطُوط برنامجها واضحة وهي تَجهيز البِلاد للفترة القَادمة وتَخليصها من آثار المَرحلة السَّابقة، فالحَالة وَاضحةٌ والخراب في كل الاتّجاهات، فكل المطلوب خارطة طريقة لهذا الإصلاح ولن يعشم أحدٌ في برنامج استراتيجي أو برنامجٍ طويل الأمد، فالمرحلة كلها إسعافية وإن جينا للحق، فهُناك أدبياتٌ كَثيرةٌ صُمِّمت كخارطة طَريق، فإعلان الحُرية والتّغيير واحدٌ منها، وورقة السياسات البديلة كذلك، لا بل حتى الإنقاذ نفسها كَانَ لها بَرنامج إصلاح الدولة الذي يُشكِّل اعترافاً بأنّ الدولة خربانة للطيش، ومهما اجتهد الناس لن يستطيعوا أن يكتبوا روشتة ناجعة وتقديمها للوزراء, فالمُتاح الآن هو أن يعكف أيِّ وزير على تلمُّس الأوضاع في وزارته، ثم وضع برنامجه الإصلاحي مع مرؤوسيه، فهؤلاء المرؤوسون هم الأدرى بالواقع ثُمّ تتم صِياغة بَرنامج إسعافي، وسَيكون خِطاب المِيزانية الذي سَوف يُقدِّمه وزير المالية هو المرآة التي سوف ينعكس عليها هذا البرنامج (التيك أوي) في العام الأول للحكومة.
ويبدو لي أنّ مُعظم الوزراء عافكون على دراسة قَضَايَا وزاراتهم مع مُباشرة العمل التنفيذي بتروٍ، ولكنّ بعض هؤلاء الوزراء اِنغمسوا في التنفيذ دُون إعمال الحَد الأدنى من القراءة، فأحدثوا جلبةً وضوضاءً، ووقعوا في الفارغات والهايفات، ولم يشكهم أحدٌ، فاظهروا الحكومة بمظهر (الما عندها موضوع)، ناهيك عن البرنامج..!

اترك رد