اقاصي الدنيا…محمد محمد خير

السودان سلة غذاء الكلاكلة!

الأوطان تعلو وتتمدد وتفيض ويعلو كعبها بعلو استفادتها من تجاربها ووعيها العميق بما طرحته التجارب السابقة، لكننا البلد الوحيد في العالم الذي انكمش، ويكاد الآن أن ينحسر رغم العقل الثاني الذي خلفته التجارب.
السودان سلة غذاء العالم. كان هذا الشعار فيما مضى مطروحا بشدة. لم يكن تلويحا محليا من نظام سياسي للتخدير، إنما كان من خارج السودان من مؤسسات التمويل الكبرى وبيوت الخبرة العالمية ودهاقنة الاقتصاد، لكنه أيضا انحسر فأصبح سلة غذاء إفريقيا ثم الوطن العربي ثم ازور وتلاشى حين صرنا عالة على العرب خبزا ووقودا وطاقة، وتلك مرحلة من شأنها تغيير الشعار من سلة غذاء العالم لسلة غذاء الكلاكلة!!!
لا أخفي أنني كنت وما أزال من أكثر الناس سعادة باختيار حمدوك لهذه المهمة لمعرفتي العميقة به وأسعدني أكثر اختيار الدكتور إبراهيم البدوي وفيصل محمد صالح وبروفيسور محمد الأمين التوم ومعظم طاقم الحكومة واستبشرت في اتجاه عودتنا لملء بطن العالم من جديد وما زلت أحلم.
المطلوب منا نحن كتاب الرأي، التبشير وتلمس الجمال وليس التبخيس، بل المطلوب منا أن نحدث في حبة الرمل الصغيرة ثقبا ونوسعه، فالأمل يكبر بالجزئيات الصغيرة، لكن هناك مطلوبات سياسية تصاحب مسار الأمل، ومن تلك أن يتسع العقل السياسي وليس الهتاف بأن يصبح عقل الثورة عقلا سياسيا راشدا وليس زاعقا، وأن تدرك كل الأطراف أن المهمة المقدسة هي إرساء السلام وبسطه والاستجابة لاستحقاقاته والعمل على تعميقه بمشاركة قواه في فترة الانتقال بنصيب يُذوِّب الحنق ويُرضي المشاركين والأهم من ذلك التوافق التام بين المكون العسكري والمدني، وهذا ما لا أراه الآن، وهو ما من شأنه إعادتنا للجحيم مرة أخرى .
سرني كثيرا اختيار بروفيسور سليمان الديبلو لمفوضية السلام وهو سياسي متمرس ومن قلب مناطق النزاعات وله استطاعات مقدرة فقد سبق أن وقع ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي مع الحركة الشعبية في القاهرة في العام 90، بجانب الدكتور الراحل عز الدين علي عامر والفريق فتحي أحمد علي رحمها الله ولام أكول من الحركة وكانت تلك شامة بيضاء إذ إنها المرة الأولى التي تحتكم فيها الأحزاب الشمالية مع القوى الجنوبية لميثاق وطني، وأتوقع أن يثقب الدبيلو حبة الرمل ويوسعها .
إذا ما تصافى المكون العسكري مع المدني واتجها سويا للقضايا الجادة وضيقا الخلاف وأنجزا السلام واستوعبا قواه فهذا إنجاز تتطلع له كل الأعين وتهفو له الأفئدة .
لا أظن أن الولايات المتحدة سترفع السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب ما لم يستكمل السلام في دارفور لأن قانون سلام دارفور سيقف عائقا أمام الإدارة الأمريكية باعتباره قانونا صادرا من الكونغرس ولن تستطيع أي إدارة تجاوزه ما لم يجمده الكونغرس نفسه، وهذه العقبة ظلت غائبة لدى الكثير من السياسيين والمحللين، الأمر الذي يعني أن الوصول لسلام مع حركات دارفور هو الطريق والمعبر لرفع اسم السودان عن اللائحة ودون ذلك التيه.
ولكي يتحقق ذلك لا بد من رؤية استراتيجية للسلام ولكي تتبلور تلك الرؤية ليس من سبيل سوى عمل مشترك وعميق وعقلاني بين المكونين المدني والعسكري، لأن أهم ركن في السلام هو بند الترتيبات الأمنية التي لا يتصدى لها سوى العسكريين .
إذا سارت الأمور على هذا النحو وانتجع السودان لسواعد إضافية واستوعب من تشردوا ونزحوا، فتلك ليست نسجا اجتماعيا بقدر ما هي طاقة زراعية ورعوية ومعدنية، وذلك هو الرافع لمقولة أن السودان سلة غذاء العالم.

اترك رد