بنك الخرطوم التمويل العقاري

حاطب ليل…عبداللطيف البوني

الخطاب المفقود

(1 )
الأستاذ الراحل المقيم حسن ساتي الصحفي اللامع لعقود خلت كتب كتاباً متفرداً في مطلع تسعينيات القرن الماضي باسم (الخطاب المفقود) كان محوره خطاب الزعيم الهندي الكبير جواهر لآل نهرو في مؤتمر باندونق 1955 الذي كان مكرساً للتضامن الآسيوي الإفريقي والذي تطور فيما بعد إلى منظومة دول عدم الانحياز حيث وجه نهرو خطابه للزعماء الحضور والذين كلهم كانوا على رأس دول خارجة من الاستعمار (يادوبك) طلب منهم أولاً الاقتصاد في الفرح بنيل الحرية السياسية والخلاص من الاستعمار لأن المشاكل التي تنتظرهم يشيب لها الولدان فإن قبلت الشعوب العيش تحت ظلال الاستعمار مغلوبة على أمرها فلن تقبل ذلك من بني جلدتها، وقال لهم المخرج هو التنمية أي تلبية الحاجات المادية للشعوب وعدم إضاعة الوقت في التبجح بالحريات و(نحن بقينا سادة أنفسنا) فلا سيادة مع الفقر ولافضيلة مع الجوع . المعروف أن الزعيم الأزهري كان حضوراً في ذلك المؤتمر وقد رفض الانضمام لوفد عبد الناصر واتخذ حيزاً منفرداً لوفده رافعاً أمامه منديلاً أبيض نسبة لعدم وجود العلم فالبلاد لم تستقل بعد وقد أعجبت تلك اللقطة الرئيس الصيني فوصف المنديل الأبيض بأنه أجمل علم يشاهده في حياته.
(2 )
عاد الأزهري الذي كان رافعاً شعار التحرير قبل التعمير واستقل السودان واستمرت المماحكات السياسية وأطاح السيدان بالازهري فجاء عبد الله خليل فسلم الحكم للجنرال عبود فاتجه نحو التعمير والتنمية ولكن بخطوات عسكرية (مجنزرة) حيث المدنيين آثروا الفرجة اللهم إلا أحمد خير ومأمون بحيري وزيادة أرباب ورغم ذلك كانت إنجازات عبود هي الأكبر في تاريخ السودان المستقل مقارنة مع المدة التي أمضاها في الحكم ولكن تنبع الحسرة إذا علمنا أن عبود ترك في الخزينة العامة ستين مليون جنيه استرليني عبارة عن فائض ميزانية فهذا المبلغ كان يمكن أن يكون مكوناً محلياً لاستثمارات بمليارات الدولارات تجعل السودان يفوق كوريا الجنوبية التي استقلت معه في عام واحد ولكن قدر الله وما شاء فعل فياربي هل ننحي بالائمة على المثقفين الذين انتموا للأحزاب العقائدية فقدموا الفكرة على الوطن وقاموا بمعارضة عبود على أسس أيديولوجية وكذا المثقفين غير العقائدين الذين تعرضوا لابتزاز العقائدين . المهم عبود فرصة من فرص السودان الضائعة ولكن من الذي أضاعها ؟ دا السؤال .
(3 )
للأسف ثورة أكتوبر التي نحتفل بذكراها اليوم فتحت الباب (أربع ضلف) للقضايا السياسية على حساب الخطاب التنموي فبعد أكتوبر برزت القوى العقائدية يسار ويمين فاستلمت الشارع من جماعة مؤتمرالخريجين وامتلا الفضاء السياسي بالدعاوي الاشتراكية ثم الدستور الإسلامي. وأصبح المثقف السوداني مشدوداً للحرب البادرة أكثر من اهتمامه بقضايا التنمية المحلية وبعد أكتوبر انفتحت (بقجة) الجهويات فكان الجنوب رأس الرمح ثم اتحاد جبال النوبة ومؤتمر البجا وجبهة نهضة دارفور وكانت المشاركة السياسية مقدمة على الشراكة التنموية وماجت البلاد ولاجت فظهر العسكر في مايو 1969 يخفون فنلة حمراء تحت البزة العسكرية فكانت الجزيرة أبا وودنوباوي ويوليو 1971 واستمر طق الحنك وجاءت وبدعة اعادة صياغة الانسان السوداني وظل الخطاب التنموي مفقوداً إلى يوم الناس هذا حيث عبد الحي / البوشي . ومحادثات جوبا التي تجري اليوم بين الحكومة وعبد العزيز الحلو وعلمانية الدولة وتقرير المصير وتبكي يابلدي الحبيب.

اترك رد