محمد الشيخ حسين

قصة أحد الرجال الذين يمشون في النور
المسافة بين قبر حسن بيومي ومراتع صباه قريبة جداً

ثلاثة أعوام تفصلنا عن غيابه، فقد هبّ دعاش وفاة العميد حسن صالح بيومي مع الأسحار، وكان الزمان صباح السبت الخامس من نوفمبر من العام 2016، حين استيقظت الخرطوم على طقسٍ سياسي نَافر العُروق وصباح شتوي يَحمل شيئاً من الدفء زاد من مُعدّلات درجة الحرارة المُرتفعة أصلاً.
أمّا المكان، فقد كان الناحية الشرقية من مقابر فاروق التي اِكتست بحُزنٍ مُضاعفٍ وامتلأت بِوُجوهٍ تتخّطى كُلّ المَصَاعب والمَتَاعب والعقبات وتُحافظ على ديمومة علاقات وصلات اِمتدّت لأصغر الحَاضرين سِنّاً بأكثر من ثلاثين عاماً.
كَانت المسافة قصيرة جداً لرحلة حياة الفقيد الراحل التي بدأت بصرخة الميلاد مطلع أربعينيات القرن الماضي في حي ديم سلمان، الذي كان يزهو بحياة سكان الخرطوم الراقين في المكان الذي يشغله الآن نادي ضباط القوات المسلحة، وانتهت بمواراة الجسد على بُعد أمتار قليلة في ثرى مقابر فاروق.
كَانت المَسافة بين مكان الميلاد ومكان اللحد قريبة جداً، لكن المساحة الزمنية التي قَطعها الفقيد حسن بيومي رَسّخت في ذِهني أنّ أحزاننا مُتجدِّدة ومازلنا نبكي، لكنّنا حينما نبكي من وجعٍ، غير أنّ نبكي من جزعٍ. لم أكن أعلم أنّ الحزن يتوغّل فينا بهذا العمق، إلا حين رأيت دموع صديق العُمر للراحل، الوزير الراقي محمد الحسن أحمد الحاج، كلما نطق حرفاً غامت العينان واختنق الصدر بزفرة فيشيح بعيداً كأنّه يهرب إلى مرفأ الذكريات الذي يهتز تحت الأقدام، والخوف أن تلتهمنا الأَوجاع قبل أن ننتج المزِيد.
الناس القيافة
المسافة بين قبر حسن بيومي ومراتع صباه قريبة جداً، فقد كان ديم سلمان الأرض التي أول ما رأتها عيناه، وتغلغلت في رئتيه أنسامها ولعب كرة القدم بين أحجارها وأشجارها، وتفوّق فيها، وأصبح لاعباً أساسياً في فريق النادي الأهلي. كانت تلك الذكريات في نفسه شيئاً داخلياً لا ينفك منه، ولا يفتأ يُؤجِّج الذكرى في نفسه حتى قبل ساعات من وفاته.
قصة حسن بيومي أحد الرجال الذين يمشون في النور، هي فَصلٌ مُهمٌ جداً من قِصّة مدينة الخرطوم نفسها، فقد كان والده الراحل صالح بيومي من المقاولين الأفذاذ الذين قامت على أكتافهم نهضة الخرطوم المعمارية، وله منازل وجملونات وفِلل لا تزال شاهقة في حي المطار والخرطوم شرق والبركس، تزهو ببريقها على عمارات (الكلدان وواجهاتها الزجاجية)، وتتفوّق عليها في المتانة والجمال.
ونكرِّر أنّ حياة حسن بيومي فصل في قصة الخرطوم، ليت الرجل النبيل فؤاد أحمد مكي يخرج من صومعة الحُزن التي دخل فيها، ليروي لنا قصة المدينة والحياة والناس القيافة.
تفوّق حسن بيومي في مطلع شبابه في كرة القدم، وأصبح لاعباً أساسياً لفريق النّادي الأهلي، بل كان الجناح الأيسر الخطير الذي تُرعب كسراته كل الفرق التي تُنازل الفريق الذي يَضم كل أولاد الخرطوم الراقين.
الدفعة الثانية
قطع تفوُّق حسن بيومي الدراسي في مدرسة فاروق الثانوية عليه، رحلة التفوُّق في كرة القدم، وقاده إلى دراسة العلوم السياسية في جامعة القاهرة. وكان حسن بيومي من أوائل السودانيين الذين التحقوا بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وتخرّج فيها ضمن دفعة ضمّت أسماءً شهيرة في سماء العالم العربي منهم: الدكتور علي الدين هلال، الدكتورة هدى جمال عبد الناصر وزوجها حاتم صادق.
كانت وجهة حسن بيومي الوظيفية بحكم الدراسة، هي العمل الدبلوماسي، لكن جار السكن في ديم سلمان وصديق العُمر والدراسة الراحل فاروق عثمان حمدنا الله الذي كان وزيراً للداخلية في بدايات ثورة مايو (25 مايو 1969 – 6 أبريل 1985)، يقترح عليه الالتحاق بجهاز الأمن. وأصل الحكاية أنّ جهاز الأمن كان في تلك الأيام يسعى لاستيعاب خريجين جامعيين من تخصُّصاتٍ مُختلفةٍ بين كوادره، وهكذا التحق حسن بيومي بالدفعة الثانية للخريجين الذين التحقوا بحهاز الأمن، وضمّت الدفعة 14 خريجاً كان بينهم فريد إدريس الطيب، وأبرزهم اللواء عثمان السيد، متّعه الله بالصحة والعافية.
قضى حسن بيومي سنوات مايو في جهاز الأمن وتلقّى دورات دراسية وتدريبية في روسيا وأمريكا وفرنسا، وعَمِلَ قُنصلاً في تَشاد والمغرب. وخرج من الجهاز بعد حلِّه في أبريل 1985، وكان يتقلّد إدارة الأمن الخارجي.
إشارات وتحذيرات
تَعوّد أهل السودان منذ زمنٍ طويلٍ على النظر في مُجريات التاريخ كما لو كانت تحدث فجأةً وتقع رغماً عنهم، وكما لو كانت تأتي لتهدِّدهم وتزعزع مَكانتهم، دُون أن نتوقّع منها أن تأتي لتعلِّي من مكانتنا أو تُؤدي إلى نضجنا أو تزيد من حَصانتنا. وقد تنم هذه النظرة السّلبية عن عَجزنا للمُشاركة في صنع التاريخ، إلا أنّ حسن بيومي كان يطلق دائماً إشارات وتحذيرات وتنبيهات لكي لا نضطر للبقاء في مَواقع المُتفرِّجين.
كَانَ حسن بيومي مَشغولاً بالتفكير الاستراتيجي في شُؤون وشُجُون الحياة كَافّة، لا ينفعل مع تعليقات السّاذجين ولا يَأبه بسخف السّاخرين، وربما يعجبك إصراره على المُضي في طَريق بَث الوعي. وقد زاد مَقامه في نظري حين قال لي اللواء عمر محمد الطيب، (في رحلاتي إلى لندن أحرص على زيارة مركز الدراسات الاستراتيجية، وهُناك يُبادروني بالسؤال عن حسن بيومي وكتاباته الجديدة). وفي مثل هذا النقاش في قضايا الوعي والتثقيف كانت لحسن بيومي قِصَصٌ لا تنتهى، يُحدِّثني دائماً عن حدثٍ جديدٍ بشيءٍ من التفاصيل التي تنتهي غالباً بحالة أنّه مُعتذرٌ عن تقصيرٍ، أو ممازحاً بطرفة، أو مُغتبطاً بفكرة جديدة. كان في أيامه الأخيرة وقد هد المرض جسده النحيل يُحدِّثني عن أنّ الرضاء الشعبي هو أيقونة البلاد من المصير الفوضوي لأيِّ ثورات ربيع قد تهب.
المشهد الأمني
ما يُميِّز كتابات العميد حسن صالح بيومي، إجمالاً أنّها فتحت نافذة واسعة على المشهد الأمني لا تأبه بالغُمُوض الذي يلف المسائل الأمنية، ولكن النافذة نفسها تُلقِّنك دروساً قيِّمة في كيفية التّعامُل مع المشهد الأمني بمسؤولية ووطنية.
ويَسهب في كتاباته مُستنداً على مَعرفة وخبرة أنفق فيهما أحلى سنوات العُمر في العَمل بجهاز أمن الدولة على أيام الرئيس الراحل جعفر محمد نميري (1930 – 2009)، في تطوير الحلول وفق قواعد علمية واضحة مُستندة إلى مَنظومة قيم اجتماعية أصيلة قادرة على تحصين الوطن وأبنائه من جهات كَثيرةٍ ومُتعدِّدةٍ بوسائل وأساليب تُعزِّز اللحمة الاجتماعية والنسيج الوطني كاملاً.
يبدو للكثيرين أنّ الوعي الأمني ثقافة إجرائية تخص الجهات المعنية بحفظه، أو جزء من معانٍ ومفاهيم ينبغي أن يدرك أسرارها رجل الأمن فقط. لكن حسن بيومي يُوضِّح دائماً أنّ موضوع الوعي الأمني أوسع من هذه المنطقة الضيِّقة، وأكثر تعبيراً عن ضَرورات صيانة الوعي الاجتماعي والوعي السِّياسي والرُّؤية الواضحة لما يجري في المشهد العام. وهنا نَصل إلى أنّ الحاجة للوعي الأمني عند العميد حسن بيومي لا تعني حاجة تعبوية، ولا تعني أيضاً حساً أمنياً مُجرّداً، بقدر ما تعني أيضاً قيماً أخرى للأمن الوطني والأمن الثقافي والأمن المعلوماتي.
مُؤلف وكتب
رفد حسن بيومي المكتبة السودانية بثلاثة كتب تميّزت منذ البداية بالرؤية الحيادية والموضوعية للمُؤلف بشكلٍ يجعله يضع مسافة بينه وبين الموضوع، بغية تفادي التأثيرات الجانبية أو التأثير الأيديولوجي بالقضية المطروحة للمقاربة.
كما تُعيد كتبه القرّاء إلى تلك الأيام الخصبة الغنية من حياتنا السياسية وتاريخنا الذي كان يعج بالحراك الثقافي والحوارات والندوات والمهرجانات والحلقات العلمية والنشاط الأدبي المُبارك.
ويحرص في ثنايا السطور على أن تكون كتاباته دافعاً ومُحفِّزاً للجميع، لتناوُل القضايا الفكرية والسِّياسيَّة في مقالات مُدوّنة لتعميق المعرفة وترسيخ الثقافة وانفتاح للفكر لينطلق بحُريةٍ ورغبةٍ ومَحَبّةٍ وشوقٍ ليلتقي ويتلاقح ويغني مع الحضارات الإنسانية كلّها، وهُنَا يَتَعيّن على الصحافة السودانية أن تعترف بأنّ كاتب المقال حسن بيومي سعى للنفاذ إلى مُختلف الزوايا المُتاحة لفهم وتَسليط الضوء على سراديب تفاعُل الأفكار الإصلاحية مع العمل السِّياسي وفَهمها، حيث لم يَكتفِ بزاويةٍ واحدةٍ قد تُوجِّه القارئ تَوجيهاً مُعيّناً وتتركه أسيراً لنظرة أحادية، بل تطرق إلى زوايا مختلفة تفتح آفاق النظر والتحليل والاستيعاب، إضافةً إلى أنّ المُؤلِّف لم يَكتفِ بتجنُّب بوعي تام التأثر بالنزعة الشكلية التي تُركِّز على الجانب الوصفي التاريخي في كتابة المقال السياسي، بل تخطّاه إلى اعتماد المنهج الفهمي التفسيري الذي يبدأ بعرض القضايا وتحليلها وفهمها وتفسيرها والعمل على تفكيكها ونقدها.
صفقة وورطة
مَا يُميِّز موضوع كتاب حسن بيومي (مآلات وطن حائرٍ بين الصفقة والورطة – مُهمّة تفتيش في الضمير السوداني)، أنّه يسد على مدى 432 صفحة فراغاً في مكتبتنا الفكرية وسِجَالنا السياسي والاجتماعي، فهو مرجعٌ مُهمٌ وجهدٌ فائقٌ يُسجّل لحقبة تاريخية مفصلية في السودان. ويلقي الضوء على النقاشات المشحونة والمُواجهات الحادة والمعارك السياسية السجالية، التي أثارت الاهتمام والمُتابعة في حينها.
ويُثير الكتاب سؤالاً فحواه، هل استطاع السياسيون السُّودانيون بلورة فكر سياسي مُتميِّز على الصعيد الوطني، أم كان نتاجهم حصيلة تأثُّرهم بالمدارس السِّياسيَّة الأجنبية، فاعتمدوا على آلياتها ووسائلها وطبّقوها في أدائهم السِّياسي الوطني؟ وهنا يرى المؤلف أنّ الخطأ الأكبر في الشأن السياسي السوداني، هو أن تتعامى الدولة عن الاختلافات بين الجماعات المُكوِّنة لها، وألا تعترف بحقوق هذه الجماعات المُتنوِّعة، ولذلك يكون إصلاح هذا الخطأ بالمعرفة والاعتراف.
وفي اعتقاد المُؤلِّف أنّ انعدام مبدأ المُساواة هو لب المُشكلة، حين تبدأ جماعات بعينها تتنادى بميزة عرقية تُميِّزها عن سواها من الجماعات الأخرى.
ويطرح سؤالاً مُهماً حول دور الدولة في تحمُّل مَسؤوليتها لحماية الفرد من الغش السِّياسي؟ وما هي الجهات المنوط بها أن تتحمّل هذه المسؤولية لترشيد وضبط التوجيه السِّياسي الخاطئ، وما هي المَعايير الواجب الالتزام بها مهنياً وأخلاقياً من قِبل القِوى السِّياسيَّة كَافّة؟
الحاضر الغائب
الكتاب الثاني لحسن بيومي المعنون (ممارسة السِّياسة وغياب الوعي الأمني)، كتابٌ مُمتعٌ ومُخيفٌ في آنٍ واحدٍ، فهو مُمتعٌ لما يتضمّنه من نظرات وأفكار ثاقبة عن أوضاع البلاد الأمنية خلال العقود الأخيرة، وهو مُخيفٌ لأنّه يُشعرك بالخوف على الحياة السياسية، بعد أن تحوّل القادة والزعماء ومن لفّ لفّهم إلى قياداتٍ مشغولةٍ بالاستقواء أو الاستعلاء على بعضهم البعض.
غير أنّ مُؤلِّف الكتاب يرى في خلاصة كتابه الأساسية (أنّ هذا الكتاب يمثل سطراً أمنياً واعياً لحجم وطبيعة الاستهداف الخارجي وطبيعة المخاطر الداخلية وحجم وطبيعة الثقوب الأمنية التي أطلت بقُبحٍ مَلحوظٍ على الخَارطة السُّودانية، بسبب غياب الوعي الأمني).
إذن يُغَطِّي الكتاب في 480 صفحة حاجة مُلحة ليس فقط لتحسين مُستوى الوعي الأمني، ولكن كذلك لسد الذرائع عبر استراتيجية للتوعية يجب أن تصل إلى الناس بأيسر الطُرق وأقلّها تكلفةً، خَاصّةً وأنّها توعية غير ربحيةٍ. ولن يكون الأمر بعيد المَنال إذا ساهم الجميع من باب الالتزام والمُواطنة والمسؤولية في بناء جُسُور الثقافة الأمنية بين المُؤسّسات الوطنية المُختلفة، لإعداد جيلٍ قادرٍ على التّعامُل مع مُستجدات العصر بعلومه وقيمه.
ولعلّ المُهم في الحاجة للوعي الأمني ضرورة تكامُل وتكافُل الأدوار كلها للحد من المشاكل التي تواجه الممارسة السياسية من جهتي الفكر والسلوك.
رثَـاء الأحِبّـة
الفراق حزن كلهيب الشمس، يبخر الذكريات من القلب ليسمو بها إلى عليائها فتجيبه العيون بنثر مائها، لتطفئ لهيب الذكريات. وللقُرّاء الأعزاء الذين لا يَعرفون حسن بيومي عن قُربٍ، فإنّ هذا الحديث الشريف قد يقرب لهم الصورة عنه: عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أيها الناس أسمعوا وأعقلوا وأعلموا أن لله عز وجل عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم وقربهم من الله، فجثى رجل من الأعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله. أنعتهم لنا جلهم لنا يعني صفهم لنا. فسر وجه النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الأعرابي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم ناس من أفناء الناس، ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسون عليها فيجعل وجوههم نورا وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن والحاكم وقال صحيح الإسناد.


اترك رد