بدون ألوان حمدي صلاح الدين

“مساعد ياي”

لأوّل مَرة منذ سنوات يغلق هاتفي إغلاقاَ إجبارياً لسبع ساعات كاملات مُتواصلات بسبب “مُساعد ياي”، كان ذلك الثلاثاء الماضي!
ذهبت إلى الدوام، كالعادة، وبعد تناول الإفطار وقهوة أسماء اقترح زميلي وضيفنا أن نذهب إلى السوق الشعبي لتناول “اسبير سيارة” لاحظوا “تناول إسبير سيارة”، العبارة بين الأقواس تُشير إلى أنّ الهدف مُحدّد وأن العملية “خاطفة” و”سريعة” لا “لجلجة” فيها ولا “مجمجة” خصوصاَ وأننا سنسافر إلى السوق الشعبي بسيارة خاصة.. كان ذلك عند العاشرة والنصف صباحاً.. نظرت إلى هاتفي وجدت البطارية 30%.. يلا نتناول الإسبير ونرجع نشحن في المكتب “حدّثت نفسي مُغمغماً”.
أغلقت المكتب وغادرت مع المُغادرين “نتناول الإسبير ونرجع” مُهمهماً لنفسي.
وصلنا الشعبي حوالي “11:30 ص” وبدأنا رحلة البحث عن الإسبير “مساعد ياي”.. لا أفهم في الإسبيرات كثيراً لكنّني بحثت مع الباحثين وكُنت أجادل في الأسعار مع المُجادلين “جوز مُساعدات بي 2 مليون؟ ليه ياخ ما نشتري موتر طيِّب”!
لكزني رفيقي في كتفي “إنت عارف المُوتر بي كم؟” قلت: “لا والله”.. قال “خلاص أمسك خشمك عليك.. ما تضحِّك الناس علينا” سكت ورضيت بدور المُرافق حامل الشنط!
اتصلوا على ياسر: “ياسر إنت بعيد”؟ من العيون عرفت إنو بعيد لكن الإجابة كانت “ياسر في اللفة دي.. نشرب شاي لغاية يصل”.. الساعة “1 ظ” ياسر وصل وتحصلنا على الإسبير جوز بـ”800 ج” دي سلامة.
طُفنا كل الجانب الغربي لسباق الخيل جولة إجبارية.. إسبيرات سكند هاند وجديدة.. دنيا كاملة موجودة على هذه الضفة الغربية.
قالوا: “وقت وصلنا هنا ما نعمل ترخيص للعربية”.. مُضيفين “أصلو اليوم انتهى”.
هاتفي أعلن عدم مقدرته على المُواصلة فأطفأ كل لمباته و”كَضَم”.. لا شاحن ولا كُوبس وسط هذا الهجير وهذا التنقل الدائم بين الدكاكين.
“يلا نرخِّص طيب” رددت في مرحلة ما قبل دقّ الطار التي ينتظرها مُحدِّثاي الاثنان.. “طيِّب عشان نرخِّص لازم نزبِّط الإشارات والأنوار ونمرة 5 لأنّها ما شغّالة. والخلف كمان مرات ما قاعد يرمي”.. حضر “فني الخلف” و”فني الكهرباء” وبدآ أعمالاً كُنت أتوقّعها قصيرة.. فني الكهرباء طلّع كل اللمبات في الضهرية والكبوت الأمامي وبدأ سلسلة عمليات قلب مفتوح مُستعيناً بإسبيرات ومفكّات وبخّاخات.. “أرمي يمين”.. “أرمي شمال”.. “دوس الفرملة”.. “أرمي خلف”.. يصيح آخر “الخلف لسه يا معلم.. اشتغل إشارات بس”.. ثلاث ساعات ونصف قضيناها بين أرمي يمين وأرمي شمال والخلف ما رمى لسه!! “عايزين لمبة 2 زمبا” الكهرجي مُحدِّثاً رفيقي.. تطوّعت بالاقتراح “ركب 5 زمبا يا مُعلِّم لأنو 2 بسيطة على الشوارع المُضلِّمة دي”.. رد: “5 زمبا مافي”.. ردّدت “طيِّب خلاص ركِّب 2 زمبا يَعوِّضنا الله”.. وددت لو عرفت المقياس “زمبا” هل هو مقياس جديد للضوء أم مُصطلح سوداني صرف؟
مع أزمة المُصطلحات هذه تذكّرت قصة سردت لي عن صديق كتب لصديقه في الخليج يريد “كربريتر” لسيارته فاحتار في المُصطلح فكتب Car brighter فأحضروا له صبغة دهان سيارة لاستخدامه مصطلحاً فلسفياً وترجمة حرفية لا علاقة لها بالإسبير المطلوب!
يلا، تركِّب 2 زمبا تركِّب 5 لينيا تركِّب 7 فولت ما علينا.. الفولت ده درّسونا ليهو في رَابعة ابتدائي.. زمبا دي ما ادُّونا ليها.!
الثالثة والنصف عصراً انتهينا.. قالوا “نغشى صيدلية البرهانية في المقام نشيل دواء أصلوا اليوم انتهى”.. بنفاد صبر “صحي والله اليوم انتهى.. يلا المقام”.. ساعة أخرى في انتظار موفدنا إلى الصيدلية.. “وقت جينا هنا عندي مُسجِّل في السوق العربي.. نغشاهو نشيلو معانا.. أصلو اليوم انتهى بعد دا مافي غرض بنقضي” ضيفنا يقترح!
“يلا”.. السوق العربي ملحمة أخرى من ملاحم نضال الشعب السوداني حيث يُمارس فيها الجميع رياضة سك الكريز والروزا “رجال ونساء وشباب وشابات.. اختناق مروري كبير وزحمة وطرق باتجاه واحد ورجال مرور يتصبّبون عرقاً”.
“المسجِّل ما خلص”.. ياخ جعنا ياخ.. بليلة وباكمبا.. بعد شارعين من هنا.. رأيكم شنو “الضيف يُحدِّثنا مضيفاً.. أصلو اليوم انتهى”.. وكانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف عصراً.. فعلاً لا قولاً كان اليوم شبه انتهى.. بوادر المغيب بدأت تلُوح في الأُفق.. بعد الانتهاء من أكل البليلة والباكمبا كان مُؤذِّن المغرب يُنادي الناس أن هَلُمُوا إلى الصلاة.. الهاتف مُغلق منذ الواحدة.. كل السودان بكون دقّ ورسّل وأعاد الاتصال.
“بت عمّنا خلّصت الجامعة نغشاها نسوقها معانا.. المُواصلات زحمة” الضيف يحدِّثنا.. رحلة انتظار جديدة.. والمُؤذِّن يُنادي الناس لصلاة العشاء دخلنا شمبات بهواتف مُغلقة كلياً كأنّنا قادمون من صحراء، مُش من قلب الخرطوم!
دق الطار كان مُتواصلاً بين الضيف والزميل “إنت جبتنا هنا وضيّعت يومنا”..” أنا ما جبتكم.. أنا قُلت ليكم نمشي ميدان عقرب”.. “لا والله أنا من شمبات مُخطَِّط نصلحها في لفة جنوب”.. يتشاكلوا ويسكتوا.. أغناني هذا السِّجَال المُستمر طوال الرحلة من انِّي “أدق طار” فالطار مدقوق من عشرة صباحاً لغاية صلاة العشاء.. كُنت أنظر لهاتفي بحسرة “شايل طوبة وحايم”.. تذكّرت موعداً مُهمّاً لا أحفظ رقم هاتفه.. يكون حضر في المكان والزمان المُحدّدين وهاتفي مُغلق.. تذكّرت موعد اجتماع آخر بعد العشاء.. ظللت خارج الشبكة لسبع ساعات في سبيل البحث عن “مُساعد ياي” تطوّر البحث عنه إلى عدة مَشاوير جانبية كعادتنا في السُّودان لم يكن مُخطّطاً لها..!

اترك رد