العين الثالثة || ضياء الدين بلال

(الحقوا البدوي)!

-1-
بعد ثلاثين يوماً من تشكيل حكومة الدكتور عبد الله حمدوك كتبت في هذه المساحة:
من خلال المتابعة والمراقبة لأداء الحكومة الانتقالية خلال الشهر المُنصرم، يبدو ملحوظاً كثرة الأخطاء الدفاعية، وسهولة إهدار الفرص، والاحتفاظ بالكرة لأطول وقت (استحواذ دون فاعلية)!
حدوث هذه الأخطاء والهفوات في المدَّة القصيرة من مباراة الفترة الانتقالية، يستدعي الانتباه والمراجعة، لإغلاق الثغرات والترتيب لتعويض الخسائر، حتى لا يمضي الزمن إلى نهايته، وشباك حكومة حمدوك مثقلة بأهداف النيران الصديقة!
الآن مرت ثلاثين يوماً أخرى، ولا تزال شباك حكومة حمدوك تتلقى مزيداً من الأهداف الصديقة، دون أن تنجح في تسجيل هدف شرفي واحد!

-2-
للأسف يعتبر وزير المالية دكتور إبراهيم البدوي هداف الدوري الانتقالي إلى الآن، بكثرة الأهداف التي أحرزها في مرمى حكومته!
قبل فترة فوجئ كثيرون بتصريحٍ ساذج، يفتقد الحصافة السياسية والوعي القانوني والإدراك الاقتصادي؛ حينما أعلن وزير المالية، عن نية الحكومة الانتقالية بيع دور حزب المؤتمر الوطني في مزاد عالمي للمُساهمة في سداد الديون الخارجية!
رعاة الضان والماعز يدركون، لا المزاد ممكن ولا المبلغ مجزٍ ولا القانون يسمح!
في حواره مع الزميل فتح الرحمن شبارقة، بشر البدوي الشعب السوداني بكل فئاته الاقتصادية، من العمال إلى رجال الأعمال، أمثال أنيس حجار وأسامة داؤود، بمنحهم 300 جنيه شهرياً، ضمن ترتيبات رفع الدعم!
الطريف في الأمر حينما سأله شبارقة عن من هم دون الثمانية عشر عاماً، كيف يمكنهم الحصول على تلك المنحة؟!
أجاب البدوي بكل بساطة : المبلغ يسلم لوالدته أو أخته الكبرى!
منحة مالية زهيدة لا تقضي حاجة ولا تغني عن شيء، تمنح للجميع، دون فرز أو تمييز بين الغفير والوزير، المحتاج والمترفه!
بماذا يمكن أن توصف مثل هذه الأفكار؟!!
أترك لكم الإجابة…!

-3-
هل يعلم وزير ماليتنا الهمام، علم اليقين، ماذا يمكن أن تنجز الـ300 جنيه في السوق اليوم؟
بإمكانه زيارة أقرب بقالة لفندق كورنثيا، ليكتشف كم (بصلة) سيجد مقابلها؟!
فكرة حالمة أخرى، قدمها البدوي لحل مشكلة تسرب السلع المدعومة إلى السوق الأسود، وهي تعيين 30 ألف شاب في ولاية الخرطوم (بصاصين) للمراقبة!
سيسجل التاريخ أن دكتورالبدوي أول وزير مالية في العالم، يعلن بالصوت العالي وبفخر وزهو، أن ميزانية حكومته ستغطى كاملة من دعم ومنح أصدقاء كرماء، في الخارج!
وحينما تصاعدت أسعار الدولار في السوق الموازي تلفت البدوي يمنة ويسرى، ولم يجد من تبرير سوى اتهام الثورة المضادة !
تلك الثورة التي عجزت حكومتها السابقة في كبح جماح الدولار إلى أن بلغ التسعين، كيف بإمكانها التحكم في سعره وهي على الرصيف؟ !

-4-
كانت الكبة الكبرى والطامة العظمى، ما أدلى به البدوي لخمسة من كبار الصحفيين بوكالة الأنباء العالمية رويترز، وحاول التنصل عنه خلسة، بعد أن بان له انعكاس ما أدلى على السوق!
ارتفع الدولار وزادت أسعار بعض السلع والمحاصيل مثل السمسم، وامتنع غالبية التجار عن البيع!
رويترز وكالة الأنباء الأولى في العالم، لا تعرف الكذب والتحريف.
وحسب علمي تمتلك تسجيلاً كاملاً لحديث وزير المالية صورة وصوت، تحتفظ به حسب قواعدها المهنية إلى أن يصدر نفي رسمي، فهي لا تتعامل مع البيانات المجهولة في الشبكة العنكبوتية!

-5-
الدكتور إبراهيم البدوي لا أحد يطعن في كفاءته العلمية حسب السيرة الذاتية، وشهاداته الرفيعة.
أما على مستوى الخبرة العملية، دكتور البدوي باحث اقتصادي، وحتى طوال عمله في البنك الدولي ظل في قسم البحوث ولم يغادر تلك المحطة، إذ أصبح مديراً لمركز السياسات والبحوث الاقتصادية بدبي.
ثم آخر محطة قبل الوزارة كان مدير منبر البحوث الاقتصادية في القاهرة.
فلم يغادر البدوي محطة الأبحاث في حياته العملية منذ أن ابتدرها بالتدريس في جامعة الجزيرة، ولم يمارس أية مسؤوليات ذات طابع تنفيذي في أي وزارة أو جهاز من أجهزة الدولة.

-6-
الفترة الانتقالية حساسة ودقيقة وأي انتكاسة فيها أو انهيار سيسقط السقف على الجميع، حاكمين ومعارضين وشامتين.
على رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك أن يقترب أكثر من وزرائه بالمراجعة والمتابعة والتصويب.
اتفق مع ما جاء في بيان حزب المؤتمر السوداني أمس :وزير المالية في حاجة ملحة لمجموعة معاونين ومستشارين يعينوه في أمر وزارته.
التركة ثقيلة والازمة مستعصية منذ النظام السابق إلى اليوم.

-أخيراً-
إذا سار البدوي على هذا النهج المتخبط، بسبب طشاش الرؤية وعلل التعبير، فلن يكون مصير حكومة حمدوك أفضل كثيراً من حكومة البشير التي ظلت إلى آخر أيامها تنتظر غوثاً خارجياً لا يأتي، وإن جاء، لا يتجاوز، بل الريق!

اترك رد