د.عبد اللطيف البوني – حاطب ليل

مكانا وين؟
(1)
بما أنّ الهَمّ الاقتصادي مُسيطرٌ على البلاد, قَرّرت العودة لموضوع رفع الدعم وجهّزت الموضوع في ذهني وفتحت اللابتوب كالعادة بدأت بالبسملة، وعندما وصلت التاريخ وجدته 17 نوفمبر, عليّ القسم (انخلعت)، لأنّ هذا اليوم يومٌ مفصليٌّ في تاريخ السودان، إذ في صبيحته من عام 1958 استقيظ الشعب السوداني على مُوسيقى عسكرية، فُهم منها أنّ الجيش السوداني قرّر الدخول في عالم السياسة وأخذ السُّلطة عُنوةً من المدنيين لأنّهم فشلوا في إدارتها..!
في ذلك اليوم كان عُمري ثلاث سنوات حسب شهادة تقدير العُمر، ولكنني مُتذكِّرٌ جيداً بعد سنوات قليلة منظر أولاد المدرسة الصغرى في قريتنا وهم يحملون الأعلام في مثل هذا اليوم ويطوفون القرية مُنشدين (الليلة عيدك يا ثورة.. ونحن جُنُودك يا ثورة).
(2)
عن هذا اليوم حكى الفنان وردي، أنّه خَرَجَ من السجانة راكباً درّاجته في طريقه الى الديم، حيث المدرسة الصغرى التي يعمل بها, فقابله أحد بلدياته وقال له: يا مهمد إنت رايح فين؟ البلد فيها انقلاب الجيش استلم البلد وتاني مافيش أحزاب ولا كلام فاضي.. ياشيييك؟ والله يا مهمد.. ففرح وردي بالخبر وترجم فرحه هذا بالقصيدة المشهورة (في 17 هب الشعب طرد جلاده.. في 17 قالوا الظلم الله لا عاده.. جيش الباسل هب وعلا راية الجمهورية)، وجاء فيها (لا ضمائر تتباع.. لا سادة لا رعاع) وقد أكملها ولحّنها وذهب للإذاعة وسجّلها بعد نسب كلماتها لصديقه الشاعر إسماعيل حسن وتمّ بثها على الهواء مُباشرةً!
(3)
استقبل الناس نظام عبود بفرحٍ، ثُمّ مَا لبثوا أن ملُّوه وزهجوا منه وبدأوا يَعملون على زَواله! ولعل هذا قد حدث مع كل الانقلابات إلى يوم الناس هذا! ثم بعد أن أطاحوا بعبود في أكتوبر 1964 ومع أول حكومة أعقبته بدأوا يحنون إليه!
ونذكر هنا قصة إبراهيم عبود التي رَوَاها بنفسه للبروفيسور مالك بدري، كيف أنه عندما ذهب الى سوق الخضار فُوجئ باستقبال الناس وكيف هتفوا له: (ضيّعناك وضعنا وراك يا عبود)! وكيف أن الباعة غمروه بالهدايا، وكيف أنه عجز عن “سواقة” عربته، وكيف تطوّع أحدهم بسواقتها، وكيف تطوّع سائق تاكسي بحمل عبود والسير به والعربة من خلفهم إلى أن أوصله منزله بالعمارات، (مشهد سوداناوي بس للأسف ما عندنا دراما)!!
(4)
حُب الناس لعبود يتزايد كل يومٍ، ليس لإنجازاته فهي قليلة جداً قياساً بإمكانَات السودان في ذلك الزمان، فعبود ترك في الخزينة ستين مليون جنيه استرليني كان يُمكن أن تجعل من السودان كوريا الجنوبية في ذلك الزمان ولكن..!! فالحُب لعبود راجع لسوء وفشل من جاء بعده، فأصبحت إنجازاته القليلة هي الأضخم، ورغم أنه بدأ العُنف السياسي من سجن وإعدام فأصبحت سجونه وإعداماته هي الأقل!!
فإذن، يا جماعة الخير الشغلانة نسبية، فثورة أكتوبر ثورة شعبية ينبغي عدم تبخيسها والتقليل من شأنها فهي ليست مسؤولة عما حَدَث بعدها.. وطالما أنّه كل حاكم في هذه البلاد مهما كانت سوؤه أحسن من الذي يأتي بعده، عليكم أن تبحثوا في مكان الأزمة, عليكم أن تبحثوا في مكان الشيطان اللابد فيها أي المُختفي على قول جدنا الخليفة عبد الله.. عليكم أن تعرفوا (صُرّة العمل) المعمولة للبلد دي (مكانا وين.. مكانا وين.. مكانا وين؟!).

اترك رد