بعد قرار الحل “الوطني”.. خيارات المرحلة القادمة

تقرير: محمد عبد العزيز
بعد جلسة استمرت 14 ساعة أجاز الاجتماع المشترك الأول لمجلسي السيادة والوزراء بالقصر الجمهوري وفي الساعات الأولى من صباح الجمعة قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين للعام 2019.
وقال وزير العدل نصر الدين عبد الباري، إن القانون يأتي تطبيقاً لأحكام الوثيقة الدستورية التي تهدف إلى إعادة بناء الدولة السودانية وذلك بتفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين.

وأضاف عبد الباري أن هذا القانون يلغي بصورة مباشرة حزب المؤتمر الوطني وحجز واسترداد الممتلكات والأموال المملوكة للحزب بجانب الواجهات التابعة له ومن ثم تؤول إلى صالح وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي الاتحادية.
وأشار وزير العدل إلى أن القانون نص على تكوين لجنة من 18 عضوا تتولى مهمة التوصية للجهات المختصة بحل أي جهاز حكومي أو حزبي أو منظمة أو نقابة أو مفوضية أو شركة أو أذرع حزبية تتبع لنظام الثلاثين من يونيو وإنهاء خدمة منسوبيها، فيما سيتم تشكيل لجنة للاستئنافات تتكون من 5 أعضاء يكونها مجلسا السيادة والوزراء.
ورحب تجمع المهنيين السودانيين الذي قاد الاحتجاجات ضد البشير بالقانون، قائلا إنه شمل حل الحزب الحاكم السابق ومصادرة أمواله وممتلكاته.
وقال في بيان إن القانون “خطوة جبارة في طريق تحقيق أهداف الثورة وهزيمة حقة للثورة المضادة وفلول نظام البطش والظلم والجور”.
وتم إقرار القانون خلال اجتماع مشترك لمجلس السيادة والحكومة في السودان استمر 14 ساعة.
وقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك على تويتر تعليقا على القرار “قانون تفكيك النظام البائد وإزالة التمكين ليس قانونا للانتقام بل هو من أجل حفظ كرامة هذا الشعب بعد أن أنهكته ضربات المستبدين وعبثت بثرواته ومقدراته أيادي بعض عديمي الذمة قصيري الخطو في مضمار القيم والشرف والأمانة والحقوق”.
وأوضح عضو مجلس السيادة الانتقالي الناطق الرسمي باسم المجلس محمد الفكي سليمان، إن إجازة القانون جاءت تحقيقا لشعار الثورة حرية سلام وعدالة ووصف إجازتهما بأنها شفاء وليس تشفي وتأسيسا لعهد جديد وفقا للشرائع السماوية والقانونية.

خيارات “الوطني”
في المقابل، قال المؤتمر الوطني في بيان صحفي، إن قانون تفكيك النظام يزيد الاحتقان السياسي في السودان وخطوة في اتجاه تشريد الكفاءات وساحة جديدة للانتقام والمواجهات.
وأضاف البيان: “إن صمتنا على هذه الأعمال العدوانية وهذا الالتفاف على الحريات بإصدار القوانين السياسية لا يُسقط حق المؤتمر الوطني في ممارسة الحياة السياسية التي تكفلها الشرائع والقوانين الوطنية والدولية”.
بيان الوطني الذي ركز في كثير من جوانبه على توجيه خطاب لتماسك عضويته تزامن مع حشد لصلاة الجمعة في مسجد الجامعة وصف فيه مسؤول التنظيم بولاية الخرطوم أنس عمر القرار بالتافه الذي لا يساوي حبره، داعيا عضويتهم في الولايات لمواصلة العمل وعدم الالتفات للقرار.
وأشار عمر إلى أن القرار لن يمنعهم “الكلام والدواس والعمل والدعوة وألا سيكون باطن الأرض خيرا من ظاهرها”.
تصريحات أنس عمر تحمل تحذيرات واضحة، فيما كشفت الفعالية عن أن الوطني اختار مبدئيا التحرك في ظل التيارات الإسلامية ومحاولة استعادة ثقتها بعد خروجه من السلطة.
الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عبد الماجد عبد الحميد، يقول إن تطبيق القانون سيجعل قوى الحرية والتغيير أمام مأزق أخلاقي يتعلق بالالتزام بشعارات الثورة الحرية والعدالة.
عبد الماجد يشير إلى أن القانون ليس مفاجئا للوطني فقد ظل متحسبا له منذ اندلاع الثورة حيث بدا في الفعل بالانتقال لواقع سياسي جديد عبر تيار الحركة الإسلامية وهو ما قد يسرع بتجميع من كانت لديهم تحفظات على الوطني نفسه.
ويختم عبد الحميد حديثه بأن الخيارات ستظل مفتوحة أمام الوطني لمواجهة الموقف.
في مقابل ذلك يقول المتحدث باسم قوى الحرية والتغيير وجدي صالح، إن القانون بات ساريا منذ إجازته عشية الجمعة 29 نوفمبر، مضيفا أن ثورة ديسمبر كانت في مواجهة نظام المؤتمر الوطني لذلك ليس من الطبيعي أن يكون جزءا من المشهد السياسي.
صالح يزيد أيضا: “الوطني عُزل بأمر الشعب منذ انطلاقة الثورة والترتيبات الأخيرة مجرد تنزيل لروح الثورة وتحقيق لمطلب شعبي”.
صالح يشدد على أن من يخالف القانون سيضع نفسه تحت طائلة المساءلة.
لم يستسلم
بعد سقوط النظام بدا أن الوطني لم يستسلم وظهرت رموز وقيادات محسوبة عليه في لقاءات نصرة الشريعة والمجلس العسكري على حساب قوى الحرية والتغيير، بل هناك تسريبات بأن قياداته لعبت دور كبيرا في حشد القطاعات المهنية والقبلية لمساندة المجلس العسكري قبل أن تقلب مليونية 30 يونيو الموازين.
ليس ذلك فحسب بل ثمة اتهامات للوطني بان يقف أمام أزمات للتضييق على الحكومة والمواطن بدءا من تخريب المؤتمر الصحفي لوزير الخارجية الألماني مرورا بأزمات المواصلات والخبز والوقود بل حتى محاولة تخريب قاعدة البيانات الخاصة بالشركات النفطية في الجيلي والاعتداء على موظف كبير في وزارة الري والموارد المائية مما جعل مطلب حل الوطني فرضا حتى لمن كان يمكن أن يتساهلوا معه، في مقابل ذلك ينفي الوطني هذه الاتهامات معتبرا أنها أزمات حقيقية.

محاسبة الرموز
ودعا رئيس حركة جيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور إلى محاسبة قادة ورموز حزب المؤتمر الوطني.
وقال عبد الواحد في تصريح لـ (السوداني): لا يمكن أن يكون هناك تنظيم تقوم فكرته على: “أو ترق منهم دماء”، “أو ترق منا دماء”، “أو ترق كل الدماء”، معتبرا أنه تنظيم قائم على إراقة الدماء.
ويرى عبد الواحد أن الثورة، ثورة تغيير وأهم ما فيها هو ضرورة إلقاء القبض على من تسبب في الحرب والمأساة للناس، مشيرا إلى أن التنظيم أدى لكل هذه المآلات، وأن الحرب ليست ضد الأفكار فقط بل الأشخاص أيضاً.
واعتبر أن القانون صدر متأخراً وأن المؤتمر الوطني أخذ فرصة كافية لإخفاء كل ما يمكن إخفاؤه من الجرائم، الممتلكات والأموال المنهوبة.
وطالب عبد الواحد الحكومة الانتقالية بتسليم الرئيس المعزول عمر البشير والمطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية واستعادة الأموال المنهوبة التي يملك الكثيرون الوثائق التي تثبتها.
وأضاف: نحن في تنظيمنا نملك الوثائق، داعياً الحكومة لإثبات جديتها.
ويرى عبد الواحد أن النظام القديم والتحالف بين الصفوة ما زال موجودا، مشيرا إلى أن كثيرين ممن انتسبوا الآن للثورة كانوا أكثر من يحاربها، معتبرا أنهم مشتركون في الجرائم بالتساوي “كفض الاعتصام”.
وأضاف: “نحن في الحركة نؤمن أن إرادة الشعب لا توجد قوة في الأرض تستطيع قهرها، الشعب السوداني قرر أن يغير النظام وبناء دولة القانون معتبرا أن ذلك لا يتم إلا بتغيير النظام القائم منذ ١٩٥٦م حتى اليوم، ليؤسس على أنقاض “الصفوة” دولة المواطنة المتساوية.
أستاذ العلوم السياسية د.النذير شاع الدين يرى انه ليس هناك خيار للوطني لعدة اعتبارات أولها العزل الشعبي بعد الثورة الشعبية الشاملة في المدن والحضر والتي وحدت المقاومة المدنية والعسكرية لإسقاط نظام الوطني، وثانيا بعد أن فقد المؤسسات العسكرية التي اختارت الانحياز للشارع وثالثها المحيط الإقليمي والدولي الرافض لهم.
شاع الدين يلفت إلى أن الوطني بعد أن فقد القاعدة الشعبية والعسكرية والدولية ولم يتبق له سوى المؤسسات الاقتصادية التي يسعى لاستقلالها لإضعاف الحكومة إلا أن قانون تفكيك النظام سيجرده من آخر أوراقه، فضلا عن نجاح الحكومة الانتقالية في التوصل لعملية سلام.

تباين مواقف
التيارات السياسية الإسلامية تباينت مواقفها من تفكيك الوطني، فبعضها حذر منه وبعضها رحب به.
رئيس حركة “الإصلاح الآن” بالسودان، غازي صلاح الدين العتباني، وصف قوانين المحاكمات للمشاركين في انقلاب 1989، وتفكيك “الإنقاذ”، بـ” الفظاظة والتخلف”، وقال إنها لا تماثل إلا قوانين صيد السحرة ومحاكم التفتيش التي سادت أوروبا في القرون الوسطى.
العتباني الذي ورد اسمه من بين المطلوبين للتحقيق في التخطيط لانقلاب 89 الذي نفذته الجبهة الإسلامية قال في رسالة مفتوحة إلى رئيس المجلس السيادي، عبد الفتاح البرهان: “إنه لعار حقا أن هذه التشريعات المشبوهة صاغها قانونيون ناقمون، لا حرصا على عدالة ولا نصرة لقضية نبيلة، وإنما فقط للتشفي ولتسوية حسابات قديمة، مبررهم أن هذا هو ما كان يفعله النظام السابق، فلم كانت الثورة إذن، ولمن نقرع أجراس الإصلاح”.
وأوضح أن تلك “القوانين الدموية صريحة في استهداف أعداد كبيرة من المواطنين الأبرياء قد يتجاوزون عشرات الآلاف”.
وزاد: “لو سمحنا بأن تسود هذه المبررات المهزوزة والمعايير الواهية في محاكمتهم فقل وداعا لدولة القانون. وهذه القوانين تقسم المجتمع وتحرض بعضه على البعض الآخر”.
ومضى قائلا: “الخطر الأعظم سيطغى حين يدفع الجيش، أخطر مؤسسات الدولة، للاصطفاف مع أحد الطرفين، لتصفية الخصومات السياسية، حين يجر الناس، جر الشياه إلى الحظائر”.
وتابع: “لكن أشد المسائل خطورة في هذا الصدد هو الإسلاموفوبيا الجديدة، التي تدعو إلى استئصال كل من له ميول إسلامية واضطهاده بصورة صريحة”.
في مقابل ذلك، ثمة قيادات إسلامية من الجيل الثاني تجد نفسها غير متورطة في انقلاب الإنقاذ وفسادها لديها موقف آخر.
رئيس حزب بناة المستقبل فتح الرحمن محمد الفضيل يقول إن التباين في وجهات النظر بين مؤيد ومعارض للقرار أمر طبيعي في مثل هذه المواقف وما ينبغي فهمه يجب أن لايفهم هذا التباين على أنه انقسام حاد للساحة السياسية على أساس ويجب أن لا يؤسس لردة سياسية لصراع أيدولوجي جديد خصوصا أننا في حزب بناة المستقبل نعتقد أن السبب الرئيس الذي أقعد البلاد هو التمايز الأيدولوجي الحاد وتقسيم الساحة على أساس الفكر.
ويضيف الفضيل في بيان صحفي: “كان رأينا واضحا في بناة المستقبل دون مزايدة سياسية بضرورة حل حزب المؤتمر الوطني باعتبار أن الثورة قامت ضد حكمه الذي أضاع البلاد ومكتسباتها وأن حل الوطني كحزب لا يعني أن تتبخر عضويته ولكنه بالضرورة يعني أن يحظر هذا الحزب وقياداته ورموزه وأن يحرم كل من ثبتت إدانته من ممارسة العمل السياسي ويسمح لبقية أعضائه من الشباب الذين لم تثبت عليهم إدانات فساد بأن يمارسوا حياتهم السياسية ولكن من خلال الانتماء لأحزاب سياسية أخرى غير الوطني المحلول”.
وقال القيادي في حزب بناة المستقبل -المحسوب على التيار الإسلامي-: نريد أن نرسل ثلاث رسائل الأولى للوطني: يجب أن يعترف الوطني بأنه أفسد البلاد وأفسد الحياة السياسية في السودان وعليه الاعتذار وألا يعمل على مقاومة القرار أو إلباس القرار لبوس الدين فالدين ليس ملكا للوطني.
أما الرسالة الثانية للحكومة: يجب تنفيذ القرار باعتباره من مطلوبات الثورة ولكن دون تشفي حتى لا يقود ذلك إلى بروز تيارات مضادة ولضمان عبور البلاد بفترة انتقالية ناجحة تضع البلاد في الطريق الصحيح.
أما الرسالة الثالثة والأخيرة للحرية والتغيير: هذا القرار قرار حكومة الثورة التي أنتم جزءا منها ولكنه يجب أن لا يمنعكم من العمل على الوفاق السياسي بين كل مكونات البلاد السياسية التي لم تحل بقرار بمن في ذلك الحركات الموقعة مع النظام البائد والأحزاب السياسية الأخرى خارج ميثاق الحرية والتغيير بمن فيها الأحزاب السلفية والطائفية والإسلامية لأن البلاد لن تعبر إلا بالجميع ويجب أن نعلي جميعا من قيم الوفاق الوطني والاتفاق على معالم مشروع وطني نلتقي على حده الأدنى.
خلاصة الأمر يسعى الوطني في هذه لخلق اصطفاف جديد بدلا عن الموقف من الاستبداد والفساد الذي تسبب في عزله خلال العقود الماضية حتى في أوساط الجماعات الإسلامية من خلال اصطفاف حول الموقف من الإسلام السياسي لصعوبة تقديم رموزه مرة أخرى فقرر الاستعانة بالقيادي في تيار نصرة الشريعة محمد علي الجزولي، فقدم الجزولي للصلاة التي ما كانت الجماعة تقبل بإمامة أنس عمر الذي اكتفى بالتعقيب.
الوطني يسعى لإقناع تيارات إسلامية واسعة بالعمل معه في إطار تحالف واحد لا يطرح الفساد والاستبداد كأسئلة تبحث عن أجوبة، وإنما يجعل السؤال الإسلام ليكون الجواب الوحدة.
وإن بدت بعض التيارات الإسلامية مترددة خلف مجموعة توصم بالفساد مرة أخرى، إلا أنها ستخصع لمزيد من التخويف من الشر القادم والابتزاز بدعاوى الخوة والإسلام.
الاصطفاف خلف الوطني بالتأكيد سيدفع التيار الإسلامي في مغامرة ما.

اترك رد