3 موجات عاتية من الإقالات.. “المخابرات” إلي أين ؟

الخرطوم: عبدالباسط إدريس

أثناء محاولته تقديم تنوير لضباط وجنود هيئة العمليات، حول خطوات إعادة هيكلة الجهاز، بدا المدير العام الفريق أول أبوبكر دمبلاب أمام مهمة بالغة التعقيد، اهتزت صورة الجنرال كثيراً بعد أن حمل مقطع فيديو مسرب عن ذلك اللقاء، هتافات لجنود هيئة العمليات في وجهه مطالبين بحقوقهم المالية لمغادرة الهيئة التي تقرر حلها، دون أن ينتظروا منه طرح الخيارات البديلة التي تدارسها مع الجهات السيادية .

تفاصيل الإحالات
شهد جهاز الأمن ثلاث موجات من الإحالات العاتية، التي ضربت صفوف ضباطه بمختلف الدوائر والتخصصات. ففي مايو الماضي كانت الموجة الأولى، أما الثانية فكانت في يوليو الماضي، لتأتي الموجة الثالثة قبل أيام بإحالة 4 من الفرقاء و28 من الضباط برتبة اللواء و5 عمداء ومثلهم من العقداء ونقيب واحد، لتصبح جملة الإحالات وسط ضباط الأمن منذ سقوط البشير وحتى الآن نحو 141 ضابطاً، منهم 12 ضابطاً برتبة الفريق و63 ضابطاً برتبة اللواء و26 ضابطاً برتبة العميد و20 ضابطاً برتبة العقيد و20 ضابطاً من المقدمين والرواد والنقباء والملازمين.

مهمة دستورية
ما حدث لدمبلاب خلال لقائه جنود العمليات، الذين يقدر عددهم بنحو ثلاثة عشر ألفاً، لم يكن الحدث الأول داخل المؤسسة التي لم يعد ما يدور بداخلها “سراً” ، ولكنها تزيح الستار عن قضية، شديدة التعقيدة والخطورة، ولم تعد مجرد ضغوط سياسية تمارسها قوى إعلان الحرية والتغيير أو هتافات جماهيرية، يرددها شباب الثورة لا سيما من الذين واجهوا عنف الدولة خلال أيام التظاهرات، ولكنها باتت مهمة دستورية توافقت قوى الحرية والتغيير مع المكون العسكري الحاكم أن تترك للجانب العسكري الاضطلاع بمهمة إعادة هيكلة القوات النظامية بإشراف رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح برهان.
ومع تزداد الضغوط السياسية بعد سقوط البشير، في الحادي عشر من إبريل الماضي ،إنما تزايدت المطالب السياسية بابعاد الضباط الموالين للبشير ونظامه وإعادة هيكلة جهاز الأمن. مطالب تبعتها مخاوف وتساؤلات عديدة عن، إضعاف جهاز الأمن ومصير المعلومات المرتبطة بأمن البلاد القومي، والمهددات الداخلية والخارجية، فضلاً عن الانتهاكات والتجاوزات وجرائم القتل التي وقعت خلال مراحل الحراك الشعبي.. أسئلة ومخاوف ربما لن تتوفر لها إجابات تفرض قدراً من التروي لدى متخذ القرار، لا سيما مع اقتراب ذكرى العام الأول للثورة في الخامس والعشرين من ديسمبر المقبل، خاصة وأن كثيراً من قادة القوى السياسية باتوا غير معنيين بالإجابة على تلك الأسئلة بقدر ما أنهم بدوا أكثر حرصاً على هيكلة الأمن الذي يرونه وضعاً شائهاً وضع خلاله البشير البلاد في تحدٍ أمني كبير بعد أن تعددت مصادر القوى العسكرية وتزايدت أعداد القوات النظامية على النحو الذي جعل القطاع الأمني يمتص أغلب ميزانية البلاد. وكان رئيس المجلس السيادي الفريق أول عبدالفتاح البرهان، قال إن جهاز الأمن ستتم هيكلته وفق مطالب الثورة ليصبح جهازاً يعمل وفق نظام ديمقراطي، وبالفعل بدأت أولى الخطوات بتغيير اسم الجهاز ليصبح جهاز المخابرات العامة.

جهاز البشير
يقول الخبير العسكري واللواء المتقاعد عن الخدمة بالجيش السوداني عبدالرحمن أرباب مرسال في تعليقه لـ(السوداني) إن العهد السابق أنشأ جهاز الأمن والمخابرات ليخدم أغراضه وأضاف :” الآن هناك عهداً جديداً وديمقراطياً تتطلب أن يكون للجهاز أدوار مختلفة ” ، وقال أرباب إن القوة العسكرية التي كانت موجودة الآن ليست للجهاز حاجة بها حيث إن المطلوب منه جمع وتحلل المعلومات وبالتالي يحتاج لقوى بسيطة لحمايته لتنفيذ مهامه الخاصة، مؤكداً أن البلاد ليست بحاجة لجهاز يقاتل لأن هذه مهمة ومسؤولية القوات المسلحة، واعتبر اللواء مرسال إعادة الهيكلة والإحالات تزيد الجهاز قوة ويستطيع مديره أن يركز في واجباته بسهولة ويسر، لأن المقصود من الهيكلة تفادي السلبيات والتركيز على الإيجابيات مؤكداً أنها ستكون عملية مستمرة وما حدث في الجهاز لن يكون آخر مرة.

أدوار وفاعلية
يصف الخبير الأمني الفريق حنفي عبدالله، الإحالات التي تجري وسط جهاز الأمن بأنها المرة الأولى التي تحدث فيها ثلاث إحالات في عام واحد، وقال في تعليق لـ(السوداني) إن الإحالات الثلاث اقتضتها ظروف موضوعية رأتها قيادة الدولة بالتشاور مع مدير المخابرات للمرحلة الراهنة، ويؤكد حنفي أنه وبرغم فقد الجهاز لقيادات فاعلة جداً ومختلفة كماً ونوعاً بتلك الإحالات إلا أنه ما يزال يحتقظ بكوادر مهمة جداً تمرست على العمل الأمني والاستخباري.
ويقول إن جهاز المخابرات بما لديه من مقدرات بشرية واستخبارية وقدرات تكنولوجية يعتبر من أفضل خمسة أجهزة استخبارات في منطقة الشرق الأوسط. وحذر حنفي من مغبة النظر لهيكلة جهاز المخابرات بطريقة عاطفية، ودون النظر للمهددات، رغم إقراره بأن هناك تجاوزات حدثت ، وقال إن نظرة بعض الناس في هذا الإطار يشوبها الكثير جداً من المخاطر وسوء التقدير لأنه من غير الممكن أن تكون هناك هيكلة دون أن تكون هناك أدوات لحماية الأمن القومي. وأشار حنفي إلى أن الجهاز وفي ظل الوثيقة الدستورية والتشاور بين قيادته ورئيسي مجلس السيادة والوزراء، لا يزال يقوم بمهام كبيرة وله دور فاعل في قضايا عديدة مثل الاقتصاد والهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب، والمسائل المتعلقة بدول الجوار ذات الهشاشة الأمنية والأزمات الاقتصادية من تهريب للسلع وفساد اقتصادي وتهرب ضريبي وعدها من أهم الملفات التي يمسك بها جهاز المخابرات العامة مع الجهات الأخرى إلى جانب الوحدة الوطنية والإثنية ومتطلبات المفاوضات مع الحركات.. الجهاز يظل الفاعل فيها بحكم المعلومات المتوافرة له.

اترك رد