العين الثالثة || ضياء الدين بلال

(الوطني) وسجن التاريخ!

-١-
لا أظن أنَّ هنالك من تفاجأ بحلِّ المؤتمر الوطني حتى وسط عضويته وقيادته.
كل الأخطاء والجرائم التي ارتُكبت خلال ثلاثين عاماً من الحكم، كان على الحزب أن يقوم بتسديد مستحقاتها بشيكٍ واحدٍ، في ميقات الحادي عشر من أبريل.
أزمةُ المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية لم تكن مع أعدائه التقليديين في القوى السياسية ولكن مع المجتمع .
الحقيقةُ التي يصعب تجاوزُها أو تغافُلها، أن الموقف من المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، لم يعُد موقفاً سياسياً يحتاج إلى خطابٍ سياسيٍّ تبريريٍّ مدعومٍ باعترافاتٍ مُقتضبةٍ وخجولة؛ بل موقف نفسي بالغ التعقيد، وحالة مجتمعية جروحها عميقة، من المُستحيل إبراؤها عبر حلولٍ سطحيةٍ وإسعافات أوَّلية!!
حالةٌ مجتمعيةٌ عارمة، جعلت من كلمة (كوز)، ليست وصفاً لبطاقةِ انتماءٍ فكريٍّ أو حزبي؛ بل إساءة وشتيمة تطعن في النزاهة والاستقامة الوطنية.

-٢-
سبق أن نصحتُ القيادة الجديدة للمؤتمر الوطني، بأنَّ عليها قبل تغيير الأسماء وعناوين المقار والعودة إلى المسرح؛ عليهم التفكير في جدوى الفكرة والمشروع وحصاد التجربة، بمُمارسة نقد ذاتي صادق وقوي وجريء يُعيد فحص المسلَّمات وتقييمها.
مشروعُ الحركة الإسلامية في السودان، جاء لإكمال تمام الدين في السياسة والاقتصاد والمجتمع؛ ولكن بتداعيات تجربته السالبة هدَّد إسلام الفرد، وأعطى قوةً وحجةً لدعاة العلمانية وأحيا أحزاباً وجماعاتٍ كانت في مَوات!
نصحنا القيادة الجديدة التي تتولَّى ترتيب أمر الحركة والحزب، أن تعتبر الفترة الانتقالية مرحلةً زمنيةً للانكفاء على الذات والنقاهة السياسية، للاستشفاء من أمراض السلطة وإبراء جراح الخروج منها عبر الباب الضيِّق الحرج!

-٣-
قلتُ من قبل، عليهم إقناع الأبناء في المنازل الذين ثاروا على مشروعهم واستعادةُ ولاءِ وثقةِ عضويتهم المخذولة في قادتها، قبل التفكير والعمل على استقطاب آخرين، وتأكيدُ الوجود بصوت خفيض وخاطر جريح وتركة ثلاثين عاماً لم تخضع للتصفية النقدية.
صحيح القوى السياسية استغلت ذلك المناخ العدائي فشرعت في تنفيذ أجندتها التصفوية والانتقامية.
الحزب الشيوعي مثلاً لم ينسْ دورَ الإسلاميين في طرده من البرلمان في منتصف الستينيَّات.
قانون تفكيك التمكين في نسخته الأولى قبل التعديل وحذف فقرة العزل السياسي، كان قانوناً متوحشاً؛ لو تم اعتماده على ذلك النحو، لفتح باباً واسعاً للفتن والعنف.
التعديلاتُ التي أدخلت تعديلاتٌ راشدة، نزعت من القانون ذلك النزوع الانتقامي الهمجي ومنحت الإسلاميين خيارَ البحثِ عن بدايةٍ جديدةٍ لإجراء المراجعات النقدية الجراحية العميقة .

-٤-
الفرصةُ الآن مواتية للإسلاميين الراغبين في التعامل مع التغيير الذي تم بإرداة الشعب كحقيقةٍ واقعةٍ؛ عليهم التعاملُ مع شروطها والامتثالُ لمطالبها.
أولُ خطوةٍ في هذا الاتجاه أن يقوموا بتطبيق قانون العزل السياسي داخل صفوفهم بإبعاد المتورطين في الجرائم التي ارتُكبت خلال فترة حكمهم.
وأولُ شروط التوبة السياسية للحزب، كلُّ من ارتكب جرماً أو نال بغير حق من أموال الشعب عليه تسديد ذلك من حسابه الشخصي أمام المحاكم والتاريخ.
كلُّ الأخطاء والجرائم التي ارتُكبت في السابق كانت تُحال للحساب العام، حتى أصبح من الصعوبة الفرزُ والتمييزُ بين الصالح والطالح.

-أخيرا-ً
ما لم يكن للحزب دورٌ وإسهامٌ في كشف الجرائم والتجاوزات وتقديم مرتكبيها للعدالة، وإذا مضى في التستر عليهم، سيظلُ الحزبُ بأمر الشعب -لا بقرارات لجنة التفكيك – حبيسَ غرفةٍ ضيقةٍ مظلمةٍ، بسجن التاريخ!

اترك رد