بين”داليا السوداء” الأمريكية و “نسرين” السودانية .. تحدي الشرطة والـ(FBI) (جزارة) فتيات الشقة الدبلوماسية .. عندما يعجب المجرم بذكاء المباحث!

الخرطوم: محمد أزهري

موجة شتاء قارسة كانت تضرب سماء العاصمة “السودانية” الخرطوم، يوم (الجمعة) الماضية، وموجات ساخنة أكثر قسوة كانت تعم البلاد، تغزو البيوت والأسواق والشوارع والمدارس، تارة تهدد أمن المجتمع وتارة تزعزع سكينته، بأقاويل مخيفة عن “عصابات النقرز” وتنظيماته المرعبة، وحوادث النهب والسلب والتشكيلات الإجرامية التي وجدت ضالتها باستغلال الظروف السياسية الجارية، وتارة أخرى بالهجوم على حارس الأمن الداخلي “الشرطة” باستفزاز أفرادها بقصد اضعافها لتحقيق أهداف وأجندات رامية لإجهاض الثورة المجيدة.
بين هذه الأجواء العاتمة تسربت أخبار متزامنة بالعثور على شاب مقتولاً أسفل كبري المنشية وجثة فتاة (مقطعة) خالية الرأس والأطراف بحي ناصر شرق الخرطوم، أي ليس ببعيدة عن كبري المنشية مسرح جثة الشاب، ذهبت مخيلة كثير من الناس إلى ربط الحادثتين وإرجاعهما لعصابات (النقرز) وآخرين عزوها إلى عمل مدبر من فلول النظام البائد لضرب الأمن وزعزعته.
الفتاة التي عُثر على جثتها دون رأس وأطراف كانت مجهولة الهوية والمعالم، الجريمة كانت غامضة لدرجة عززت فرضية دخول تلك العصابات في عالم الارتزاق الرخيص لتنفيذ أجندة سياسية يقف خلفها (النظام البائد) لإجهاض الفترة الانتقالية، هذا الاتجاه ربما وضعته الشرطة نفسها كأول فرضية وجهت بحثها الجنائي نحوها.
الناس تداولوا خبرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي و”قعدات” الجبنة في البيوت وعلى ظهور بنابر بائعات الشاي في الطرقات العامة وأمام المحال التجارية، مع الشعور بالخوف على المصائر وثمة اتهام بضعف الشرطة يدور في خلد المتآنسين، وشرطة الخرطوم نفسها ربما تكون قد أحست بصعوبة الموقف وخطورة حجم السخط عليها حال فشلها في كشف الحادثة، لكنها ربما استرجعت ذكريات مباحثها مع كشف لغز أغمض الجرائم وطردت الإحساس بالخطر ثم نهضت بثقة مكلفة فريق مباحثها للتقصي عن قاتل مجهول غريب الأطوار محترف في التنفيذ والتخلص من جريمته، دون ترك خيط ولو بحجم خيط “العنكبوت” الواهن.
“داليا السوداء”!
الجريمة تخطت الحدود الجغرافية وأعادت للإذهاب جريمة قتل الممثلة الأمريكية “إليزابيث شورت” الملقبة بـ”بلاك داليا” أو “داليا السوداء”، عام (1947)، في جريمة تُعد من أشهر الجرائم الغامضة في أمريكا والعالم، ولم يُحل لغزها على الإطلاق حتى الآن، وقد صدمت جريمتها الصحفيين المختصين في شئون الجريمة. 
في 15 يناير (1947) عُثر على “إليزابيث”، التي كانت تبلغ آنذاك (22) عامًا، مقتولة في لوس أنجلوس.
وقتها عُثر على جسدها مقطعاً ومشوهاً ومصفى تمامًا من الدماء، كما أن وجهها كان مشوهًا بالكامل، حيث قطع قاتلها (الجهول) وجهها من فمها وأذنيها، مما جعلها تبدو كالمهرج.
وكانت حادثة قتلها مثيرة للغاية في وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية لأن “شورت” كانت جزءًا مهمًا من عالم “هوليوود” آنذاك.
وقتها قالت الكاتبة “بيو ماري إيتويل” في كتابها “Black Dahlia, Red Rose”، يبدو أن القاتل كانت لديه خبرة (طبية) في التعامل مع الجثث المشرحة، حيث قام بتشريح جسدها بهذه الطريقة الشنيعة.
مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، ساعد السلطات المحلية في التحقيقات آنذاك، وأجرى اختبارات قياسية على أكثر من (50) شخص مشتبه بهم محتملين، وأجرى مقابلات في أنحاء البلاد، ومع ذلك ظلت الحقيقة خفية، ولا تزال القضية مفتوحة والجريمة غامضة حتى اليوم.
وجه شبه ومقارنة!
تشابه أقرب إلى التطابق في كثير من معالم الجريمتين، فنوع الضحية واحد (أنثى)، مع اختلاف العمر، وكيفية التنفيذ واحدة مع اختلاف المكان والزمان، وطريقة تقطيع الجثة واحدة مع اختلاف طفيف في أماكن القطع، التشابه طال شهر وقوعهما (يناير) مع اختلاف العام.
حسب الكاتبة “بيو ماري إيتويل” فإنها رجحت الخبرة الطبية لقاتل “بيث” كما حاول الانتقام بتشويه وجهها بينما فصل الجناة رأس فتاة بري.
هذا التشابه كاد أن يصل مرحلة التطابق في حال نجح مكتب التحقيقات الفيدرالية (FBI) الأمريكي في حل لغز “إليزابيث” التي ما تزال قضيتها مفتوحة وجريمتها غامضة حتى اليوم، كما نجحت مباحث شرطة ولاية الخرطوم في كشف غموض جريمة فتاة بري السودانية في غضون أربعة أيام بواقع بحث (24) ساعة في اليوم.
المقارنة بين الشرطة السودانية خصوصاً في وقت تُتهم فيه بأنها غائبة عن مسرح الأحداث منذ سقوط نظام “البشير” ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ربما يراها البعض في غير موضعها أو أكثر غرابة ومبالغة لكن وقائع الجريمتين وتشابههما أتاح الفرصة للمقارنة و استرجاع ملابسات جريمة عالمية كتبت فيها أكثر من رواية وألهمت الدراما التلفزيونية الأمريكية آنذاك لإنتاج أفلام وبرامج أبرزها فلم “من هي الداليا السوداء” وبرامج “اعترافات حقيقية” و”قصة رعب حقيقية”، كلها تروي تفاصيل جريمة “إليزابيث”، الواقع والحقيقة يقولان إن الشرطة السودانية رغم إمكانياتها المحدودة مقارنة بمكتب التحقيقات الأمريكية إلا أنها استطاعت كشف جريمة غامضة وضعتها في مقارنة عالمية، تفوقت فيها بجدارة على (FBI) على الأقل في جريمة مشابهة.
جثة مقطعة!
الساعة الثامنة صباحاً في الثاني عشر من يناير / كانون الثاني الجاري، الفضول وحده قاد رجل لاكتشاف الجريمة الخطيرة بكل المقاييس بحي “ناصر/ بري”، شرق الخرطوم، وهي المنطقة التي كانت تشكل هاجساً لأجهزة الأمن أيام المظاهرات التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع “البشير” لشجاعة سكانها وسخونة (مواكبهم)، الرجل يبدو أنه كان في طريقه للعمل قبل استقلال المواصلات العامة، رأى شيء مغلف بأكياس بلاستيكية سوداء تستخدم في حفظ النفايات المنزلية، اعتبره غريباً من الوهلة الأولى، اقترب منه فاختلطت عنده الدهشة والمفاجئة والفاجعة برويته لجثة مفصولة الرأس والأطراف، الرجل أخطر الشرطة، سادت حالة من الرعب بين سكان المنطقة خصوصاً الذين ربطوا بين الجثة وجثة شاب أخرى عثر عليها بالقرب من منطقهم.
الشرطة بين الاتهام والبراءة¡
الشرطة أرسلت فريقاً من الأدلة الجنائية طوق المكان وأجرى تدابيره وأحال الجثة إلى المشرحة، الجثة (ناقصة) لأهم معالمها (الرأس)، إذن الشرطة وجدت نفسها في تحد كبير وهي أمام جريمة حالكة الغموض، لا دليل ولا خيط يقود لمشتبه أو متهم. الشرطة دونت بلاغاً، ونظراً لتعقيد الجريمة أحالت أمر التحقيق والتقصي لمباحث شرطة ولاية الخرطوم، الأخيرة فكرت عميقاً في كيف تبدأ ومن أين وتساءلت كثيراً من هم الجناة وما هذه الطريقة غير المألوفة؟ وتلوح في أفق الخرطوم ومقاهيها مزاعم وروايات عن عصابات “النقرز” لكنها سرعان من تحدت نفسها خصوصاً أن الجريمة وجدت اهتمام من هرم قيادة الشرطة مديرها العام الفريق أول عادل بشائر” ومدير شرطة الولاية الفريق “خالد بن الوليد” ومدير دائرة الجنايات اللواء زين العابدين عثمان جلال” ومدير مباحث الولاية العميد “أمين سعيد”، هؤلاء الضباط وزمرة من ضباط وضباط صف وجنود مباحثهم كونوا غرفة عمليات خاصة لكشف لغز الجريمة فكانت المهمة صعبة والانطلاقة بالتصويب في كل الاتجاهات.
البحث عن مفقود!
 فريق البحث رسم خطة نموذجية وهي مراجعة بلاغات (المفقودين) المدونة حديثاً بأقسام شرطة الولاية المختلفة، منطقياً تبدو خطة نموذجية، لكنها واقعياً ربما ينتابك إحساس بأنها غير مجدية عطفاً على كثرة بلاغات المفقودين وحالة الجثة المزجاة في ثلاجة موتى المشرحة بلا رأس وأطراف.
بدأ البحث فاهتدى الفريق إلى بلاغ دونته أسرة بأحد أقسام شرطة أمبدة غرب العاصمة الخرطوم.
معلوماته تقول إن المفقودة فتاة تدعى “نسرين” هاتفت والدتها ووعدتها بالقدوم إلى المنزل بأمبدة وهي آخر مهاتفة بينها وأحد من عائلتها، بعدها أغلق هاتفها تماماً وتأخرت عن موعدها المضروب بينها ووالدتها فدب القلق في قلبها وانتابها شعور بشيء يبدو خطيراً، أذاعت الأمر لبقية أفراد العائلة وبعد (24) ساعة من تأخيرها وانقطاع التواصل معها دونت عائلتها بلاغاً بفقدانها.
عادة تطابق الشرطة الأوصاف بيد أن حالة الجثة لا تسمح بذلك لأنها بدون أوصاف ومعالم واضحة، لذلك اقتادت إحدى فتيات الأسرة إلى المشرحة وكانت المفاجأة المبدئية بعد تمحيص وتدقيق تعرف الفتاة على الجثة من مواقع (شامة) على الظهر، أجهشت بالبكاء وقالت إن الجثة من هيكلها فقط لشقيقتها “نسرين”.
الشرطة حاولت قطع الشك باليقين وأخذت عينة الحمض النووي من والدتها وأرسلته إلى المعامل الجنائية مع عينة من الجثة فكانت النتيجة (تطابق)، بهذا أغلقت المباحث باب الهوية وفتحت باب آخر أكثر غموضاً يقتل الفريق بحثاُ لفك طلاسمه وهو باب يجيب عليه السؤال التالي ..
(من الذي قتل نسرين)  ؟.
الـ(FBI) الأمريكي في مساعدته لفريق بحث جريمة “داليا السوداء” أوقف (50) مشتبهاً، ولم يصل للمتهم الرئيس الضالع في قتل الممثلة الشهيرة وقتها، بينما قاد فريق مباحث شرطة ولاية الخرطوم بحثاُ مضيناً أوقف خلاله (6) فتيات و(8) شباب، عطفاً على اقامتها مع الفتيات في شقة بحي أركويت، وهي أي “نسرين” فتاة ثلاثينية كادحة تعمل في مجال التجارة بين السودان ودبي، وبعض الأحيان تمتهن أشغال محلية أخرى تسترزق منها، والموقوفين من الشباب لها معهم علاقات تواصل ومعرفة، بدأ التحقيق معهم واحداً تلو الآخر، ومن خلال إفاداتهم أمسكت الشرطة بخيوط مهمة تشير إلى صلة شاب يدعى “ملي” ولقبه “كريم” (32) عاماً من والد إريتري ووالدة أثيوبية، يعمل سائقاً بسفارة دولة جنوب أفريقيا في الخرطوم، وطالب سوداني الجنسية يدعى “م.ي” (23) عاماً يدرس بالمستوى الرابع في إحدى كليات الطب الشهيرة بالخرطوم، وعائلته تقيم في المملكة العربية السعودية.
الشابين وحسب التحقيقات الأولية لهما صلة بالفتاة المفقودة.
التسديد داخل الخشبات!
فريق المباحث بدأ يصوب تسديداته داخل (الثلاث) خشبات لمرمى الجريمة الغامضة لكن حتى بعد حصوله على هذه المعلومات وتحقيقه تقدماً كبيراً نحو الهدف لم يكن الأمر سهلاً ولا المعالم واضحة، حتى حانت لحظة فارقة في مسيرة أربعة أيام متواصلة من السهر عاشها فريق البحث بقيادة العميد “أمين سعيد” ومدير فرعية الخرطوم العقيد “مصطفى مكاوي” وضباطهما وجنودهما، وتبين الخيط الأبيض من الأسود بتحديد مكان إقامة المتهم الأول “ملي” داخل شقة تستأجرها سفارة جنوب أفريقيا بحي الرياض فكانت التاسعة مساء من يوم (الثلاثاء) موعداً لمداهمته وتوقيفه دون مقاومة.
القبض على مشتبه به رئيسي في جريمة غامضة مثل هذه يشير إلى انقشاع الغموض لكن هنا بدأ الأمر مختلفاً لمراوغة المشتبه للمحققين واختفاء عنصر آخر لم يقل أهمية عن الأول وهو طالب الطب، لكن ذكاء وخبرة فريق التحقيق بمباحث الخرطوم بدد أحلام الفتى في حبس سر الجريمة داخله واستخلص منه اعترافاً لم يتوقعه الفريق نفسه، ليتحول من مشتبه إلى متهم أول.
اليوم التالي وبعد أن وضع الفريق أول هدف في شباكه انطلق لتوقيف المتهم الثاني الذي حدد موقعه داخل شقة بحي أركويت داهمتها القوة عند الواحدة والنصف من ظهر (الأربعاء) وضبطته داخلها يتوسط (6) طلاب يدرسون الطب أيضاً ولم تكن لهم صلة بالجريمة، وجدوا يدخنون حشيش (الشاشمني).
تلذذ!
قادة فريق المباحث تحقيقات مكثفة مع الثنائي أقر خلالها بارتكاب الجريمة وروى كيفية استدراجه للضحية إلى داخل الشقة التي تستأجرها السفارة الجنوب أفريقية، من رجل قبطي يقيم خارج السودان، ومن ثم قتلها لحظة خروجها من حمام داخلي بالاعتداء عليها بـ(يد مدق) ومن ثم سددا لها أحدهما طعنات بالسكين، وتسلل الثاني لشراء (أكياس) سوداء للتخلص منها. الثنائي -المتهم- برر عملية تقطيع الجثة لكبر حجم الضحية الذي لا يمكنهما من حملها وإلقائها في منطقة نائية، فتولى طالب الطب “م” تقطيع الرجلين وإحدى الإيادي بينما قطع الأجنبي الرأس واليد الأخرى، وأدخلا الأطراف في أكياس وغسلا مسرح الجريمة جيداً وحملا الأطراف وبقية الجثة وبدأت رحلة التخلص منها في مهمة لم تكن سهلة بالنسبة لهما – حسب وصفهما- لدى التحقيق، إذ بدأت بإلقاء الرأس بين حشائش شاطئ النيل قبالة جامعة الرباط الوطني، ومنها اتجها إلى أعلى كبري كوبر وألقيا الأطراف لكن رؤيتهما لارتكاز الشرطة حال دون تخلصهما من الجثة بالكامل فهربا بطريق عبيد ختم وظلا كل ما يلمحان دوريات الشرطة المنتشرة على امتداد الطريق ينتابهما الخوف فقررا أخيراً  التسلل إلى حي (ناصر) واستغلا هدوء المنطقة ونجحا في (دس) بقية الجثة بين النفايات خلسة وعادا أدراجهما ومارسا حياتهما طبيعياً كأنهما لم يقتلا (دجاجة)، ما يشير إلى أنهما يتلذذا بقتل الفتيات وتقطيع جثثهن.
مفاجأة مزدوجة!
كيفية ارتكاب هذه الجريمة والتخلص من الجثة فضلاً عن الوحشية التي صاحبت تنفيذها، جعلت فريق التحقيق بشرطة الخرطوم يفكر خارج الصندوق، مسترجعاً تفاصيل جريمة قتل فتاة عثر عليها في الثاني عشر من شهر ديسمبر المنصرم داخل مجرى مائي بمنطقة اليرموك جنوب الخرطوم.

الفريق أعاد النظر كرات ومرات فوجد أن فتاة بري قطعت أطرافها وغلفت في أكياس بلاستيكية، وهو ذات المصير الذي واجهته فتاة اليرموك مع اختلاف بسيط في عملية التقطيع.

المباحث وسعت نطاق تحقيقاتها ومارست ضغطاً باحترافية عالية مع المتهمين وواجهتهما بمعلومات مباغتة جعلتهما ينهاران ويعترفان بقتل فتاة اليرموك ويكشفان عن هويتها ليخرج اسمهما من بين شفاههما “مروة” في مفاجئة للشرطة حققت من خلالها شعار (لا بلاغ ضد مجهول).
الشرطة فتحت مسار تحقيق جديد و تواصلت مع عائلة الضحية الثانية بمنطقة أبو سعد جنوب أم درمان وذهبت بأفرادها إلى المشرحة وهناك تعرفوا على ابنتهم.
المتهمان أرجعا عدم تقطيع جثة “مروة” إلى أنها (نحيلة) الجسد لا يحتاج التخلص منها إلى جهد، وكفشا عن أنها لم تقاومهما لحظة قتلها داخل الشقة التي نفذا فيها جريمة قتل “نسرين”.
لم تقف الدهشة عند هذا الحد بل كشفا عن مفاجأ أخرى مثلت فيها الشرطة طوق نجاة لفتاة أخرى كانا يخططان لاستدراجها وقتلها بذات الكيفية يوم (الأربعاء) وهو يوم القبض على المتهم الثاني، وهنا تكون قد حققت الشرطة أول غاياتها وهي منع الجريمة قبل وقوعها، في واحدة من الحالات النادرة التي أدهشت المتهمين الذين لم يخفيا اعجابهما بذكاء فريق البحث والتحقيق.
تحليل نفسي!
حالة من الغرابة تلبست الطبيعة الإنسانية وتركيبة المتهمين النفسية، لذا طرح موقع “السوداني” الإلكتروني ملابسات الجريمة وكيفية تنفيذها على مستشار الطب النفسي والعصبي وعلاج الإدمان البروفسيور “علي بلدو” الذي بدأت عليه علامات الدهشة لكنه سرعان ما استردك أنه طبيب نفسي تعرض عليه حالات لجناة مماثلين وقال: (إن القتل والتمثيل بالجثة دون أسباب واضحة يشير إلى أن الجناة لهم نزعة سيكولوجية مضادة للمجتمع والسلوك السادي الذي يعتمد على الاستمتاع بممارسة الجنس مع الضحية ومن ثم قتلها بطريقة بشعة وهذه الحالة تعرف بـ(الكوربونيكوفيليا)، وجاءت التسمية من الطبيب الفرنسي القاتل الشهير (ايمانويل دوساد) الذي درس الطب وتخرج طبيباً قاتلاً.
وأشار “بلدو” إلى أن اضطراب الشخصية الحدي والصراع النفسي الباطني يولد رغبات متناقضة وعنف شديد لدى الجناة وكذلك الاضطرابات الذهنية والفصام والوسواس وضلالات تطهير المجتمع وتنقيته كمحاولة للتخلص من عقدة الذنب والشعور بالدونية بسبب تعاطي المخدرات وأخطرها (الترامادول).
“بلدو” خلع (كوت) الطب وارتدى (روب) المحاماة، كيف لا يفعل ذلك وهو حاصل على رخصة المحاماة ودرجة الدكتوارة في القانون الجنائي، ليؤكد أن حالة إدعاء الجنون المطلق أو المؤقت أو العاهة النفسية من قبل الجناة للنجاة من العقوبة القضائية ليست سهلة بل لابد من توفر شروط معينة للتعلل بها بمقتضى نصوص قانون الإجراءات الجنائية لسنة (1991) مقروءة مع قانون الإثبات السوداني لسنة (1994).
تجارة آعضاء!
الحادثة برمتها تحتاج إلى إجابة على تساءلات عديدة أبرزها (هل دافع قتل الفتيات بهذه الكيفية الغرض منه تجارة الأعضاء) خصوصا أن المتهم طالب طب على وشك التخرج، والثاني آجنبي، وللاجابة على التساؤل هذا وضعنا الملابسات على منضدة طبيب جراح وعميد كلية طب في جامعة عريقة حجبنا اسمه حتى لا يظن البعض أن الطالب المتهم ينتمي لجامعته.
الطبيب أجاب قائلا : (قطعاََ لن يكون الدافع تجارة أعضاء و هي أساساََ لا توجد في السودان لأنه لابد أن يكون هناك بيئة صالحة لنقل الأعضاء كغرف عمليات مجهزة خصيصاََ لذلك في المستشفيات أو المستوصفات أو المراكز الطبية الحديثة و في الدول المتقدمة يمكن أن تكون هناك عربات أو طائرات إسعاف حديثة مجهزة لنقل الأعضاء فوراََ من أماكن تلقيها و توجد بها وسائل حفظ حديثة من محاليل و ثلاجات تختلف بإختلاف العضو المنقول).

اترك رد