اقاصي الدنيا|| محمد محمد خير

طريقان

 

بدأ أمس العصيان المدني وباتت شوارع أحياء الخرطوم أشبه بسراب يلمع في مفازات التيه واختفى المارة، وصارت الطرق الرئيسية المفتوحة مثل بحر تمسح أمواجه بعضدها ولاذت البقالات والمحال بالصمت وصارت القنوات تنقل هذا الفراغ العريض على شاشاتها لتؤكد لمن هم خارج السودان أن العصيان استهل يومه الافتتاحي بالظفر المكلل، لكن شرايين الحياة لم تنقطع.. فالكهرباء في كامل عنفوانها والماء ينسال والبنزين في كامل الحضور.
أصبح أمامنا في ظل القطيعة الكاملة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير طريقان، طريق العصيان أو طريق المجلس المتمثل في حكومة تصريف أعمال وانتخابات مبكرة، وهذا لن يتحقق إلا إذا فشل العصيان بالكامل واستنفدت قوى الحرية والتغيير آخر ما في كنانتها من سهام. فأي الطريقين هو الأقرب للتحقق؟
أقول طريقين فقط لأنه ليس من الأصوب لقوى الحرية التنازل عن سلاحها ورميه بهذه السهولة بعد أن بات بديلها السلمي الذي ظلت تلوح به طوال الشهرين الماضيين ولا اعتقد أنها ستتخلى عنه لأن جراح فض الاعتصام ما تزال نازفة بالدم المسفوح، لذا فكبرياء الثورة يفرض عليها هذا الخيار وتلح عليها بالمشي في طريقه حتى نهايته، لكن السؤال كيف ستكون نهاية هذا الطريق بعد أن تتوقف الحياة تماما وتنعزل البلاد وتكسوها الظلمة ويقتلها الظمأ؟، لابد من طرف عسكري يزيح المجلس ويحل محله ويتبنى برنامج الحرية والتغيير ذلك البرنامج الذي يشير بوضوح إلى عودة العسكريين إلى الثكنات بما يعني أن العسكريين الذين سينحازون إلى إعادة الحياة لابد لهم من العودة لغمدهم في ثكنات الجيش، وتسليم المدنيين السلطة كأول سابقة في التاريخ.
لنفترض أن الجيش الذي يشكل الإسلاميون عهده أصيب برومانسية مباغتة وأصبح قلبه معصوفا لطبيعته الرقيقة ولبى هذا المطلب لقوى الحرية كيف ستختار قوى الحرية قيادة الحكم المدني من بين صفوفها وهي ليست متفقة على قيادة في الأصل، والمظلة التي تجمعها هي مجرد إعلان وليس تننظيما واضحا بقيادته وهيئاته ولوائحه وليس له رئيس حتى الآن ولا أمانة عامة هل ستختار قوى الحرية رئيسها بعد انحياز الجيش للمرة الثالثة أم قبل الانحياز؟
يبدو لي أن هيكلة قوى الحرية قبل اتساع العصيان هو الواجب الأول لأن ذلك سيسهل على الجيش الرومانسي الديمقراطي القادم على الطريق مهمة سرعة العودة لكونه عصفورا يغرد بأناشيد السلام.

اترك رد