مجلس السيادة.. تدشين تاريخ جديد

الخرطوم: سوسن محجوب
تصوير: سعيد عباس

المجلس العسكري الانتقالي، وقوى إعلان الحرية والتغيير يوم أمس (الأربعاء)، مرحلة جديدة في تاريخ العلاقة بينهما، حينما أدى (5) من كل فريق للاندماج في جسم واحد، هو مجلس السيادة الانتقالي الذي سيدير البلاد لفترة 3 سنوات و3 أشهر .
المجلس الحالي يدخل تاريخ السودان من أوسع أبوابه سواء لأنه جاء في أعقاب تغيير ثوري قاده الشارع على نظام مأفون، أو لأنه بحكم التكوين يضم امرأتين فضلا عن شابين، في نموذج ملهم لبقية شعوب العالم.

وبدأت حكاية الأمس، حينما خطا رئيس المجلس العسكري الانتقالي خطوات داخل قاعة من قاعة القصر الجمهوري، متوجها إلى منضدة وضع فيها المصحف الشريف، ليؤدي عليه اليمين الدستورية، محولاً صفته من رئيس المجلس العسكري إلى رئيس مجلس السيادة المنصوص عليه في الوثيقة الدستورية الموقعة بين المجلس الحرية والتغيير التي صارت منذ السبت الماضي دستوراً يحكم البلاد.
ومع الجدل القائم حول منصب رئيس القضاء وهل تم تعيين رئيس جديد من عدمه، كان أمراً لافتاً أداء البرهان لليمين أمام رئيس القضاء المكلف، عباس علي بابكر.

بقية الأعضاء
لم يُسمَح للصحفيين بالتحرك داخل القصر لرصد لحظة دخول بقية أعضاء مجلس السيادة خاصة المدنيين منهم، وربما تكون هي المرة الأولى التي تطأ أقدامهم سرايا الحكم التي بناها الإنجليز وأكملها الصينيون، غير أن الأعضاء الخمسة من المدنيين ظهروا لحظة أدائهم القسم.
رجاء نيكولا عبد المسيح ارتدت بلوزة بيضاء وتنورة سوداء.
وجاءت أستاذة الترجمة عضو المجلس السيادي زوجة الراحل الشاعر والناقد محمد عبد الحي أحد أبطال مدرسة الغابة والصحراء، مرتدية ثوباً سودانياً بلون النهر “أزرق” معيدة إلى الأذهان ذكرى شهداء القيادة، وفي يدها عصاة تتوكأ عليها وتهش بها على من تهش وقد يكون لها فيها مآرب أخرى.
واتفق كل من حسن شيخ الدين إدريس ود.صديق تاور ومحمد الفكي سليمان، على ارتداء بدلة سوداء بقميص أبيض وربطة عنق حمراء.
وحينما جاءت ساعة أداء القسم وفي محاولة من مراسم القصر الجمهوري على تأكيد اندماج المدني مع العسكري وضعتهم في صفين 4 في يمين البرهان و5 في يساره مع خلط العسكريين والمدنيين.
أدى التسعة أعضاء القسم وغاب محمد حسن التعايشي لوجوده في لندن مع توقعات بأدائه القسم اليوم فور وصوله للخرطوم.
بعدها دخل المجلس السيادي في اجتماع هو الأول من نوعه، أمن فيه بشدة، حسب عضو المجلس محمد الفكي سليمان، على ضرورة التعجيل بتشكيل الحكومة وأولى خطوة ذلك التعيين الرسمي لعبد الله حمدوك في منصب رئيس الوزراء على أن يؤدي قسمه في التاسعة مساء ذات اليوم.
انتظر الصحفيون طويلاً في المكان المخصص لهم، وظل مراسلو القنوات الفضائية يخرجون على الهواء (البث الحي) لتوضيح ما يدور خلف الأبواب المغلقة التي فتحت بعد نحو 3 ساعات ويزيد.
وأخيرا انتهى الاجتماع وفي غرفة الصحفيين جاء المكون المدني لمجلس السيادة لتكون أولى إطلالاتهم في فضاء الإعلام بصفتهم الجديدة أعضاء في مجلس السيادة.

لحظة الاختبار
صعدت لمنصة الحديث الدكتور عائشة موسى ثم سرعان ما غادرت وحينما عادت اعتذرت بلطف عن الربكة التي اعتبرتها طبيعية، ثم تلت كلمات مكتوبة حيَّتْ فيها الشعب السوداني والثورة السودانية والشهداء وأسرهم قبل أن تبذل جملة من التعهدات بالالتزام بميثاق الحرية والتغيير وهو الميثاق الذي تعاهدت عليه القوى التي تعد دينمو الثورة، وإنفاذه وتحقيق شعارات الثورة على أرض الواقع.
وقبل أن تغادر المنصة بذلت عهدا آخر باسمها كامراة سودانية كردفانية أتعهد للشهداء للخروج بالسفينة لبر الأمان. “بت نصرة” حييت كل نساء السودان أينما وجدن.
ثم انبرى “ود الفكي” وهذا لقب محمد الفكي سليمان، حينما كان طالباً بجامعة الخرطوم في التسعينيات، وهو ينافح عن رابطة الطلاب الاتحادية الذراع الطلابية للحزب الاتحادي الديمقراطي؛ انبرى للرد على أسئلة الصحفيين حيث أشار إلى أهمية تولي عبد الله حمدوك لمنصبه رئيساً للوزراء بصورة عاجلة، معلنا أول التباينات في وجهات النظر بين المكون العسكري والمكون المدني داخل مجلس السيادة حول موضوع تعيين رئيس للقضاء واختلافهم حول بعض الأسماء المطروحة للمنصب وكذلك منصب النائب العام.

ماذا قال العضو رقم (11)؟
رجاء نيكولا استبعدت أن يؤدي وجود “عساكر” في المجلس السيادي إلى خلافات بينهم، وقالت إنهم سيعملون كفريق واحد من أجل الشعب السوداني دون النظر للون سياسي أو عرقي أو دين. ودعت نيكولا المواطن للصبر.

التوجه للمطار
بعد ذلك تحركت عربات التلفزة والصحفيون إلى مطار الخرطوم لتغطية حدث وصول الخبير الأممي، عبد الله حمدوك، للبلاد تمهيدا لاستلام مهامه رئيس للوزراء.
وبالفعل عاد الخبير السوداني وكان في استقباله عدد من الرموز السياسية وانتظره حشد شعبي كبير، لكن الرجل لم ينبس ببنت شفة للصحفيين الذين رابطوا في المطار.. قبل أن يصرح باقتضاب لتلفزيون السودان. وأشار حمدوك إلى أن مجيئه تلبية لنداء الوطن، داعيا إلى التكاتف والعمل الجماعي لعبور البلاد مرحلتها الراهنة ولبناء نظام ديمقراطي تعددي يتيح إدارة الخلافات، مبينا أن البلاد ومنذ فجر الاستقلال لم تنجح في خلق مشروع وطني يستوعب خلافات أبنائها، مؤكدا أن ذلك لن يتحقق إلا بالتعاون والاتفاق على الثوابت الوطنية.
وكان في استقبال حمدوك وفد من قوى الحرية والتغيير، بقيادة المهندس صديق يوسف، بالإضافة إلى الوكيل المساعد بوزارة الخارجية إلهام شانتير؛ ليتجه حمدوك إلى القصر الرئاسي مباشرة لأداء القسم الدستوري واستلام مهامه كرئيس لوزراء الفترة الانتقالية، على أن يمنح مهلة تصل لأسبوع لتشكيل حكومته.
انتهى اليوم الطويل الذي عُد بداية مرحلة جديدة في التاريخ السوداني، فالكثير يضعون الآمال عليها عراضاً لكن وعلى الضفة الأخرى يتشاءم البعض ومنهم تنسيقية القوى الوطنية والجبهة الثورية التي نصبت نفسها باكرا في خانات العمل المعارض خلال الفترة المقبلة.

مجلس السيادة في سطور
عبد الفتاح البرهان خلف عوض بن عوف في منصب رئاسة المجلس العسكري بعد استقالته في 12 أبريل الماضي وقبلها كان عين في فبراير الماضي مفتشا عاما للجيش، ويحكي تاريخه في المؤسسة العسكرية عن تجوال وتطواف في مختلف الوحدات وجبهات القتال.
الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع رفض المشاركة في مجلس ابن عوف ورضي المشاركة في مجلس البرهان بمنصب نائب الرئيس.
صديق تاور كافي رشحته كتلة الإجماع الوطني أحد مكونات تحالف الحرية والتغيير وهو قيادي في حزب البعث ولديه دكتوراه في الفيزياء التي يدرسها بجامعة النيلين، أثار تعيينه جدلا واسعا من ناحية أنه ممثل لمنطقة جبال النوبة ذات العمق الإفريقي بينما هو يؤمن بأمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج.
حسن شيخ الدين إدريس الرجل القريب من حزب الأمة القومي بزعامة الصادق المهدي، ممثلا للشرق في مجلس السيادة، ذو خلفية قانونية وكان عضوا ببرلمان 1986.
عائشة موسى أستاذة متخصصة في اللغة والأدب الإنكليزي في عدد من الجامعات، وحاصلة على شهادات عليا من المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وصاحبة امتياز ترجمة عدة كتب.
لا يُذكر اسمها إلا ويذكر زوجها الشاعر الأديب صاحب العودة إلى سنار، الراحل محمد عبد الحي، تنشط في العمل الإنساني ومدافعة عن حقوق المرأة.
محمد الفكي سليمان حينما اعتذر بابكر فيصل القيادي بالتجمع الاتحادي المعارض عن عضوية مجلس السيادة وضع البعض قلوبهم خوفا من البديل لكن جاءهم آخر بمواصفات فيصل. محمد الفكي سليمان معروف أكثر في الأوساط الطلابية والصحافية، عمل بشركة زين ثم هاجر لقطر للعمل في صحيفة العرب، وهو ما أسعد الصحفيون باعتباره واحدا منهم.
محمد حسن التعايشي مرشح كتلة تجمّع المهنيين السودانيين للمجلس السيادي عن “إقليم دارفور”. ناشط سياسي معروف بمعارضة نظام عمر البشير، ورأس لفترة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم عن تحالف القوى الديمقراطية، تخرج من كلية الدراسات الاقتصادية في جامعة الخرطوم، وانتمى إلى حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي، ثم استقال منه 2005م.
رجاء نيكولا من مواليد أم درمان، حاصلة على ليسانس حقوق جامعة القاهرة 1980، عينت في وزارة العدل 1982، وتدرجت في الهيكل الوظيفي حتى تم ترقيتها لمستشار سنة 2005.
‏مثلت وزارة العدل في مفوضية مراعاة حقوق غير المسلمين، تولت لجان تحقيق في فساد في أحد البنوك الشهيرة.

اترك رد