الشربكا يحلها …أحمد دندش

فيصل محمد صالح

يُنازع المقال كاتبه دائماً في اختيار اسمه، ويجد الكثير من الكُتّاب صُعُوبة كُبرى في إقناع مقالاتهم بأن تقتنع بالأسماء التي تجود بها قريحتهم، حتى أنّ بعضهم يترك عنوان المقال كآخر خطوة قبل تصديره للقارئ، وذلك بعد أن يفشل في إقناع المقال بأيٍّ من الأسماء التي اختارها له.
وبعكس (المواليد)، فإنّ سمة التمرد التي تلازم المقال وإصراره الكبير على اختيار اسمه، هي سِمَةٌ ناتجةٌ من إحساس المقال المُتعاظِم بأحرفه، مِمّا يجعله في (وضعية التحفُّز) ضد الكاتب نفسه، وذلك حينما يشعر المقال – أعزه الله – إن كاتبه ظلم الأحرف المُسجاة على الورق الأبيض.!
شخصياً، لم أجد أيّة صُعوبة في وضع عنوان لهذا المقال، بالرغم من عودتي للكتابة بعد أكثر من (9) أشهرٍ كاملة، أي إنني وحينما قرّرت العودة الى الكتابة كُنت أستعد وبشكلٍ جادٍ لخوض معركة شرسة جداً مع المقال – ليس في فرض اسم عليه فحسب – بل في جوهر الفكرة نفسها التي سأناقشها، لأتفَاجَأ بالحُرُوف تَنساب والمقال يستكين دُونما ضَوضاء وأنا أضع له اِسماً (فيصل محمد صالح).
ولَعلّ استكانة المقال ومزاج الحروف العالي الذي استبان داخل النبض العام للفكرة، مُبرِّر جداً، فالكتابة والحديث عن رقم وقامة إعلامية سامقة كأستاذنا فيصل تجبر المقال على القُبُول بالاسم المُختار، لأنّه ما من (عبارة للغزل) أو (فاصل للثناء) أو (فرضية لكسّير التلج) يُمكن أن تُعبِّر عن المقال أكثر من اسم ذلك الرجل، فاسمه هو قمّة الغزل وسيرته الذاتية النّاصعة البياض لا تحتاج لثناءٍ من العبد لله، أما (تكسير التلج) فهو الشئ الوحيد الذي لا يُمكن على الإطلاق أن يتسرّب في مقال نتحدّث فيه عن فيصل، فالرجل لا يعرف (كسّير التلج) لأيٍّ شخصٍ، ولا يقبل بالمُقابل بأن يقوم أيِّ شخصٍ بـ(تكسير التلج) له، ليس تَرفُّعاً أو تَواضُعاً، بل هو (طَبعٌ) في أستاذنا فيصل والذي تعلّمنا منه أنّ الصحافة ليست (شو) و(بهرجة) و(إثارة جدل) بقدر ما هي أدَاةٌ لخدمة الناس.
ولأنّه مَهمومٌ بخدمة الناس والوطن ورفع قَدر الصحافة والإعلام السوداني عالياً، كان اختياره ليكون وزيراً للإعلام في الحكومة الانتقالية، ذلك الاختيار الذي أجمع كل الناس عليه، ولم يعترض عليه إلا بعض (عاطلي الموهبة) و(عاشقي الشذوذ الفكري) و(الباحثين عن الرايحة في خَشم البَقرة)، فالرجل (نظيفٌ) و(عفيفٌ) و(صارمٌ) و(مُسالمٌ) و(مُبدعٌ)، وأن تجتمع كل تلك الصفات في شخصيةٍ واحدةٍ، فذلك أمرٌ نادر الحُدُوث، لذلك كان اختياره والخوف في ذات التوقيت من رفضه للمنصب، لأنّ الرجل عُرِفَ طِوَال مسيرته الإعلامية بالزُّهد في المناصب والابتعاد عنها بقدر الاقتراب من خدمة الناس والوقوف على قضاء حوائجهم.
فليسمح لي أستاذي الجليل فيصل محمد صالح اليوم أن أكتب في حضرته، وأن أتفاءل بعهدٍ جديدٍ في الإعلام السوداني، خالٍ من المحسوبية والوساطات و(الحَفِر)، فليسمح لي أستاذي فيصل أن أعتذر كذلك لكلِّ طُلاب الإعلام – والصحافة تحديداً – عن زجرنا لهم في السّابق وتحذيرهم من الاقتراب والعمل في الحقل الإعلامي لأنّهم سيجدون ما لا يَسّرهم، وأن أُبشِّرهم اليوم (أن هَلموا إلينا)، فقد جاءنا وزير لا يُظلم عنده أحَـدٌ.
أخيراً… دعوا فيصل محمد صالح يعمل دُون التّدخُّل أو الإملاء أو (التّشويش)، دَعُوه وبمبضعه الماهر يُداوي جِرَاح الإعلام الغائرة، دَعُوه يُقرِّر كيف يُمكن أن يعود إعلامنا مُؤثِّراً وقادراً على إقناع العالم، دَعُوه يَعمل دُون ضُغُوطات ودُون تَحذيرات، فالرجل يمتلك العقل الرزين والصدر الرحيب و(السّيف البَتّار)، دَعُوه يعمل، فَقد ظَللنا لسنواتٍ نتكلّم دُون أن نعمل، دَعُوه ومن بعد ذلك اسألوه، وسيجيبكم بكل صدقٍ، كَما اعتدنا… وكَما اعتاد.
شربكة أخيرة:
شُكراً لك عزيزي المقال على تفاعُلك مع الاسم الذي اخترته، وتَأكّد أنّك الرابح، لأنّ التاريخ سيذكر ذات اليوم أنّك حملته عنواناً..!

اترك رد