أقاصي الدنيا||محمد محمد خير

التلفزيون

في يوليو عام 89 كنت والصديق الأستاذ محمد أبشر عوض السيد، نشرف علي نشرة الساعة التاسعة. كانت نشرة فوق العادة، لأن قوات الأمن ألقت القبض على الإمام الصادق المهدي. لم يكن الخبر ضمن أخبار النشرة؛ جاء به العقيد سليمان محمد سليمان رئيس اللجنة الإعلامية حينها. تسلل أبشر خلسة لأستديو البث المباشر ورماه للراحل أحمد سليمان ضوالبيت، الذي قرأه بكل عنفوان حباله الصوتية، فقد كان – عليه رحمات الله الواسعة – يملك صوتا يسميه أهل الموسيقى (السوبرانو)؛ غليظا وقويا ومتدفقا، وتلك هي الميزة التي كان يتم علي أساسها اختيار المذيعين.
عقب النشرة خرج أحمد سليمان من الأستديو وهو يبكي بذات العنفوان الذي قرأ به الخبر، واحتضضني وصرت أبكي معه بذات حرارة محبتي للإمام، فأنا وحتى كتابة هذه الأسطر من تورنتو أحب هذا الرجل حبا بات من الميؤوس الشفاء منه .
لقد أودعتني هذه المحبة بيت الأشباح وسجن كوبر لعامين في سني الإنقاذ الأولى. أذكر أنني كتبت له خطابا من السجن حمله له أحد أحبابه عنونته بـ(يا الهواكم بقى لي جريمه).
بعد شهر من واقعة (قفا نبكِ) تم فصلنا من التلفزيون في قائمة ضمت المخرج عبد السلام الرفاعي، ونائب المدير موسى محمد أحمد، وعثمان عوض الكريم، وطارق فريجون، وعمر دفع الله للصالح العام، ومازلت أحتفظ بخطاب الفصل الصادر من مجلس الوزراء وكنت – حينها – أعمل رئيسا للقسم السياسي. انتقلت بعد ذلك للعمل كجزار في شارع العرضة، وحين تم اعتقالي كنت أحمل هذه الصفة .
بعد أن بكى ضوالبيت انخرط بهمة في مهامه المزدوجة؛ المعارضة في السر والموالاة في العلن، مثله مثل أي عسكري لانحياز اللحظة الأخيرة.
قصدت باستدعاء هذه الواقعة أن أشير إلى أن الإذاعة والتلفزيون وكافة الأجهزة الإعلامية الحكومية هي أجهزة تلزم انصياع كل قواها للخط الحكومي المعلن ولاتمنح أي هامش للخلاف إلا همسا، وهي أجهزة تتقيد بلوائح الخدمة المدنية ويجتهد كل شاغلي وظائفها لتحسين المسلك الذي يرضي الحكومة ابتغاء الترقي الحكومي، وهذا مايضعف الحس النقدي ويكبح أي مبادرة للخلاف أو الإضافة.
سرني كثيرا تعيين الأخ البزعي مديرا للهيئة، لأنني كنت أخشى أن يتم تعيين من خارج الحوش. كان التعيين سيقابل برفض العاملين، لأن الوظيفة هيكلية وتعيين واحد من أبناء التلفزيون يفتح الباب لترقي كل العاملين؛ بدءا من وظيفته حتي آخر السلم.
الإصلاح الحقيقي في الأجهزة الإعلامية الحكومية لايتم إلا برؤية جديدة لدور هذه الأجهزة في برنامج نهضة شاملة تقره الحكومة وتعمقه هذه الأجهزة بالجدال والتبسيط عن طريق الخبر والحوار والدراما والموسيقى، وفتح الباب لثقافات السودان المختلفة لتقدم نفسها من منبر تعتمده الحكومة ذراعا إعلامية قادرة علي تحويل الفكرة إلى صيغة إبداعية تجتذب الناس.
هذا الأمر يتطلب أن تكون الرؤية الحكومية لكل الأمور موحدة وليست منقسمة علي نفسها وأن تكون القيادات الإعلامية مشاركة في تلك الرؤية وقادرة علي تسييلها علي نسق مبدع بعد أن تتحول إلى خطط قابلة للقياس .
أتطلع إلى أن تعمل الحكومة علي تطوير الفرد الإعلامي الحكومي بتحويله من خاضع إلى مشارك، ومن مشارك إلى مبشر وتلك هي الرؤية، وماسواها تكريس لمنهج (صفا وانتباه).
لابد من ترسيخ الثقافة الديمقراطية التي لن تترسخ في غياب الخلاف والمغايرة. لابد من وجود رأي آخر ليتكامل المعنى الديمقراطي، وهذا مايمكن أن تعمل عليه هذه الأجهزة بتوسلها للساسة والكتاب والصحفيين ومنظمات المجتمع المدني وحملة السلاح والسواد الذي يلف البسطاء .

اترك رد