من الكريمات إلى الاستقالات حكومة رئيس الوزراء.. حرب الشائعات

الخرطوم: محمد عبد العزيز

قبل أن يستقر مجلس الوزراء الانتقالي جيدا في مقاعده تصاعدت حملات إسفيرية ضده لتخلق مناخا خصبا للشائعات التي تناسلت بشكل مثير من لدن “تقدم رئيس الوزراء د.عبد الله حمدوك باستقالته احتجاجا على موكب لتعيين رئيس القضاء سيرته قوى الحرية والتغيير بعد أن شعر بالإحراج” وانتهاءً بـ”وزير التجارة والصناعة مدني عباس مدني وبتأييد من المجلس السيادي العسكري يصدر قرارا بإيقاف استيراد أدوات المكياج”، ليبدو الأمر كحملة منهجية تنطلق من عدة جهات تختلف في الأهداف النهائية وتتلاقى دون وعي في هدف تكتيكي يركز على هز الحكومة وإسقاط الوزراء.

قتل معنوي
تلقى وزير الصناعة الحصة الأكبر من الهجوم حتى قبل تسميته رسميا، الموجة الأولى من الهجوم شككت في نزاهته وسعت لإلصاق تهمة الفساد به قبل أن تنتقل إلى التشكيك في كفاءته لشغل حقيبة الصناعة.

وبعدها تراجعت لسلسلة من الشائعات في صيغ قرارات صادرة من وزارته تتعلق بإيقاف استيراد أدوات التجميل وسيارات من دول محددة، مما استدعى الوزارة لإصدار تصريح رسمي لنفي كل هذه القرارات الزائفة.
وأكد بيان الصناعة أن تلك الأخبار عارية تماما من الصحة حيث لم يصدر أيا منها على الإطلاق أو توجيه في هذا الشأن ولم تتم مناقشته مع أي جهة كانت.
كما أشار البيان إلى أن جميع قرارات وسياسات وأخبار الوزارة تملك لكل وسائل الإعلام عبر القنوات الرسمية المعروفة وعبر إدارة الإعلام والعلاقات العامة بالوزارة، كما تؤكد أن قراراتها تصدر عقب دراستها والتشاور حولها مع الشركات والجهات ذات الاختصاص.

الشخصي والموضوعي
أما وزيرة الخارجية أسماء محمد عبد الله تعرضت لحملة اغتيال خلطت بين الشخصي والموضوعي، وصلت لذروتها بشائعة عن إقالتها بدعوى أدائها الذي لم يستمر شهرا واحدا ولم تحضر فيه اجتماعين لمجلس الوزراء.
وزير الإرشاد والأوقاف نصر الدين مفرح تلقى بدوره جانبا من الحملة بعد تصريحه الأول في مقعد الوزارة وترحيبه بعودة اليهود السودانيين.
وتستمر الشائعات تحاصر الحكومة منها ما يظهر في وسائط التواصل الاجتماعي على أنه معلومات أو تلك التي تبرز على أنها قرارات، ولعل آخرها ما تم تداوله عن أن وزير العدل نصر الدين عبد الباري كان مديرا لمكتب عبد الرحمن الخليفة القانوني والقيادي بحزب المؤتمر الوطني، وأنه من ابتعثه إلى الخارج.

خطة بديلة
الصحفي المهتم بـ(السويشال ميديا) عوض صديق يرى في حديثه لـ(السوداني) أن “حكومة الثورة” تواجه أعداء كثر، ويضيف: “عملية التقليل من هيبة الحكومة مهمة أساسية بالنسبة لهؤلاء الأعداء، عبر كثير من الشائعات التي تتم صناعتها مع سبق الإصرار والترصد لإثبات فشلها”.
ويشير صديق إلى أن هناك خطة بديلة تجري لتحل محل الحكومة وهذه الخطة أعلن عنها من قبل بعض الأحزاب، وتتزامن مع ترتيبات على الأرض لإفشال الفترة الانتقالية لصالح الانتخابات المبكرة.

نقطة تحول
مثل موكب الخميس الثاني عشر من سبتمبر الداعي لسرعة تسمية رئيس القضاء والنائب العام نقطة تحول في الحملات التي يشنها أنصار النظام البائد باعتباره أول موكب ينطلق بعد تشكيل الحكومة الانتقالية، وبدأ من إطلاق شائعة استقالة حمدوك وصولا لشائعة اعتذار تنسيقية قوى الحرية والتغيير للمجلس السيادي ومجلس الوزراء عن موكب الخميس.
ومضى الأمر لمحاولة وضع إسفين بين المجلس السيادي من جهة ورئيس الوزراء من جهة أخرى، وبين مكونات المجلس السيادي من مدنيين وعسكريين، وبين هياكل الحكومة وقوى الحرية والتغيير في جهة أخرى.
ومضت ذات الماكينة لضخ تعليقات ساخرة من شاكلة، “الشق المدني من المجلس السيادي في فراغ وظيفي قاتل.. لا بستقبلوا رئيس لا بشاركوا في اتفاقيات سلام قالوا أحسن يشاركوا في استلام المذكرات والمواكب”، في إشارة لاستلام صديق تاور للمذكرة ومخاطبته للجماهير التي احتشدت أمام القصر ومشاركة عضو السيادي عائشة موسى.

مصدر الشائعات
المحلل السياسي محمد مصطفى جامع يذهب في حديثه لـ(السوداني) إلى أن المتتبع لهذه الشائعات والحملات الإسفيرية يجد في النهاية أن المصدر الأول لها مجموعات الواتساب وإذا سألت الشخص المرسل للإشاعة يقول: “أنا جاءتني كده”، في الواتساب أو قرأتها في مجموعة على فيسبوك.
ويشير جامع إلى أن أصابع الاتهام تشير لأنصار النظام البائد بالوقوف خلف هذه الشائعات باعتبار أن المتتبع لمصادرها يجد أنها تأتي من مجموعات مرتبطة بالنظام البائد أو عناصر متعاطفة معهم تنشط في النشر عبر حسابات في الفيسبوك ومجموعات الواتساب بهدف خلق حالة من البلبلة وعدم الثقة في حكومة حمدوك والتشكيك في قدرة الحكومة الجديدة على إدارة الدولة، باعتبارهم أناسا غير جديرين بتولي المناصب أو إضعاف الروح المعنوية لأعضاء الحكومة وإشغالهم بتتبع الشائعات ومحاولة نفيها أولا بأول.

تحليل أعمق
غير أن ثمة مقاربة مختلفة مفادها أن الشائعات الأخيرة تأتي في سياق عمل منهجي منظم تقف خلف مجموعتان تتفقان في الهدف التكتيكي هو هز الثقة في الطاقم الوزاري وتختلف في الهدف النهائي المتعلق بإسقاط الحكومة.
المجموعة الأولى تتبع للنظام البائد وتسعى لتقويض الثورة والانقضاض عليها عبر جملة من الترتيبات من بينها السويشال ميديا للتمهيد للهدف النهائي عبر خلق رأي عام سالب في الجهاز التنفيذي.
فيما تسعى المجموعة الثانية التي تحسب على ناشطين في الثورة لتصفية حسابات مع بعض الشخصيات عبر توجيه انتقادات لحكومة لم تكمل أسبوعا واحدا لتتحول من خدمة الثورة لرصيد للثورة المضادة.
فعلى سبيل المثال الانتقادات التي وجهت لوزير الإعلام لعدم إقالته لمدير التلفزيون دون إلمام بالقوانين لتتحول بعد صدور القرار لوزيرة الخارجية، ومن المتوقع في حال تحقيقها لنجاحات في عملها الانتقال لوزير آخر.
فيما تبدو الحملات على وزيرة التعليم العالي انتصار صغيرون على خلفية تصريحاتها بكنس عناصر النظام السابق بالمكشوف، التي لم تستمر طويلا وذات الأمر يتصل بوزيرة العمل بعد استغلال حادثة الاعتداء على أحد موظفيها من قبل شخص ادعى قرابته لها، إلا أن تشكيل تحقيق جعل الحملة تخف إن لم تنته تماما.

خلاصة القول: يجب ضرورة التمييز بين النقد الموضوعي لأداء الجهاز التنفيذي والحملات المنظمة التي ليس لها سوى هدف زعزعة الحكومة وإفشالها وبين هذا وذاك يجب التعامل بحذر مع الشائعات التي لا تستوي على سوق بمبدأ “ناقل الكفر كافر”، مما يستدعي التثبت في نقل الأخبار ونقلها عن مصادرها سواء المواقع الإلكترونية والحسابات الموثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي وأخذ “سكرين شوت” تجنبا للمسح في وقت لاحق، بجانب ذلك يجب على الحكومة تدشين حسابات موثقة على مواقع السويشال ميديا لنشر البيانات الرسمية والقرارات المهمة، بجانب تحمل النقد الموضوعي، فالحكومة التي لا تتحمل النقد غير جديرة بالبقاء.

اترك رد