بروفيسور: محمد زين العابدين عثمان

الاتفاق الذي تم بين المجلس السيادي والجبهة الثورية بجوبا.. هل يحقق سلاماً مُستديماً

عندما قامت المُحادثات بين قِوى الحُرية والتّغيير (قحت) والجبهة الثورية، قلنا إنه لن يتم اتّفاقٌ بين المُتحاورين لأنّه لم يكن حواراً شاملاً مع كل القِوى الحاملة للسلاح. وأيضاً عندما انتقلت المُحادثات إلى القاهرة، قلنا إنّه لن يتم اتّفاقٌ بينهما نسبةً لمُكوِّنات المُتحاورين من قِوى الحُرية والتّغيير ذات التّوجُّه الأيديولوجي اليساري والعروبي ممثلاً في البعثيين والناصريين والقوميين العرب, وقلنا إنّ مُحادثات أديس أبابا قد فرضها اليسار لتكون مع الجبهة الثورية بقيادة مالك عقار وياسر عرمان، وهذا كَانَ يُمثل انحيازاً للحزب الشيوعي واليسار بصفةٍ عَامّةٍ. وعندما انتقلت إلى القاهرة كانت بضُغُوط العروبيين الذين ذَكرناهم في قِوى الحُرية والتّغيير. وحقيقةً أنّ قِلّة الخبرة والاستقراء العَميق لتركيبة ومُكوِّنات الشعب السوداني والتّحنطر والتّمترس الأيديولوجي قد جَعل هنالك غشاوة في البصر والبصيرة للذين يحاولون حل مشكلة الحرب والسلام بالوطن ولم يقرأوا ويتعلّموا من كل تجارب الحرب والسلام في أفريقيا، والسودان ليس حالة شاذة مِمّا يحدث من حُرُوبٍ في القارة الأفريقية عَلَى اِتّكاءاتٍ قبليّةٍ أو عُنصريةٍ أو تنافُسيةٍ على الأرض والمَوارد أو الاختلافات الأيدولوجية في العهد الحديث.
وقُلنا كذلك، إنّ تحقيق السلام على أرض الواقع هو حقيقةً في يد المُكوِّنين اللذين لم يكونا ممثلين في مُحادثات أديس أبابا وفي محادثات القاهرة وهما بقيادة عبد العزيز الحلو الذي يملك مُعظم القوات المُحاربة والمُقاتلة والذين يحتلون على أرض الواقع مساحات كَبيرة مُحرّرة في جنوب كردفان والنيل الأزرق. أما الحَركة الشّعبية شِمال بِقيادة مالك عقار وياسر عرمان فَلا يَملكون قُوّات ومُقاتلين يَذكروا في المنطقتين ولا يَحتلون مِسَاحَاتٍ مُحَرّرة تُذكر في المنطقتين. والحركة الشعبية لتحرير السودان التي يقودها عبد الواحد محمد نور هي الموجودة على أرض الواقع بدارفور وتقاتل وتحتل مساحات بجبل مرة.
أمّا حَركة العدل والمُساواة منذ أن فَقَدَت كثيراً من مُقاتليها وأسلحتها وانهزمت في معركة قوز دنقو وفقدت في هذه المعركة كثيراً من قوادها ومُقاتيلها، وأسلحتها الحربية صارت لا تُشكِّل ضغطاً في أمر الحرب والسلام بدارفور وأنّ مُعظم قوّاتها صارت تقاتل على ما أعتقد بأجرٍ في ليبيا. هذا أذا أضفنا أن حركة العدل والمساواة تعرّضت لانشقاقاتٍ كثيرةٍ ومُعظم القِيادات التي انشقت منها بقُوّاتها دَخَلَت في مشروع سَلام الدوحة، وهؤلاء يُشكِّلون غالبية المُنتمين لحركة العدل والمساواة.
أمّا حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، فهي أيضاً تَعرّضت لانقسامات وبعض قوّادها ومعهم مُقاتلون التحقوا باتّفاق الدوحة للسلام بقيادة دولة قطر. وأيضاً حركة مني لم يعد لها وجودٌ عسكريٌّ فعليٌّ بدارفور، فهي تُقاتل في ليبيا وتَمّ حشدها مُؤخّراً بعد نجاح ثورة ديسمبر في الحدود الليبية فوق جبل العوينات لإبراز أنّهم ما زالوا موجودين ولهم من القوة والسلاح مَا يجعلهم يُقاتلون، والحقيقة تقول إنهم كما يُقال يُقاتلون بهذه القوات مع حفتر في ليبيا بكل التمويل المادي والسلاحي.
استصحاباً لكل ما ذكرنا أعلاه، فلا بُدّ من قيادة حوارٍ مُنتجٍ بين حكومة الثورة مُمثلةً في مجلس وزرائها، وبين كل الحركات الحاملة للسِّلاح في دارفور والمنطقتين ومعهم الذين كانوا في اتّفاق الدوحة، لأنّ هؤلاء لو تَمّ إقصاؤهم فسيرجعون لحمل السلاح وليس هنالك “أحد خير من أحد”، هذا إذا علمنا أنّهم يعرفون الآخرين الذين يُحاولون إقصاءهم لأنّهم استجابوا لنداء السُّودان بالدوحة فنستمر ندور في الحلقة الجهنمية. وحقيقة أنّ اتّفاق الدوحة قد حَقّقَ الكثير لأهل دارفور على أرض الواقع رضي من رضي أو أبى من أبى. وإذا تم عزل هؤلاء فسيرجع أبو قردة وصحبه من الحركات والقوات الأُخرى لحمل السلاح ونَستمر نَدُور في الحلقة المُفرغة. أي حوار بين قيادة ثورة ديسمبر والحركات المُسلّحة الحاملة للسلاح ما لم يَكن شاملاً وحاوياً لِكلّ المُكوِّنات فلن نصل إلى سلامٍ دائمٍ ومُستدامٍ.
لذلك، في هذا المقال نقترح على قِوى الثورة ومجلس وزرائها أن يُخاطبا ويَطلبا كل هذه الحركات الحَاملة للسلاح الآن والتي صَالحت واستجابت للسلام من قبل أن يلتقوا ويوحِّدوا كلمتهم ورؤاهم لخلق السلام والاستقرار في السودان الوطن لنخلق دولة الحق والواجب، دولة العدالة والمُساواة، وأن يخرجوا بوفد واحدٍ مُتراضٍ عليه بين كل الحركات الحاملة للسلاح أو حملت السلاح من قِبل وبعد ذلك يتم الحوار مع الحكومة المدنية والالتزام بتنفيذ مَخرجات ما يتم التّوصُّل إليه، غير ذلك سَندخل في أتُون حربٍ دائمةٍ وتكون حكومة الفترة الانتقالية لم تنجح في تهيئة المناخ لنظام ديمقراطي مُستقر بعد الفترة الانتقالية.
المُتابعون لمجريات الأُمُــور في القوى السِّياسية التي تقود الثورة وتتحدّث باسم كل أهل السودان ادعاءً بأنّ غالبيتها من قِوى اليسار بمُختلف مُسمياتها والعروبيون بمختلف مُسمّياتهم.
هؤلاء نرجوهم أن يبتعدوا عن أيِّ حوار في ما يخص أمر الحرب والسلام مع الحركات المسلحة، وهم الذين أيضاً كان لهم الضلع المعلى في إفشال حتى المحادثات الناقصة التي تمت بأديس أبابا والقاهرة, ولحل مشكلة الحرب والسلام تحتاج لقيادات واعية وله من تجارب كثيرة ومُدركة لمُكوِّنات مُجتمعها كله، خاصةً المجتمع التقليدي منها وتداخلاته ومشاكله في ظل وجود دولة أو عدمها، ولا بُدّ أن يكون المُفاوضون من الذين يؤمنون بالحريات وبالديمقراطية إيماناً عميقاً وأكثر بُعداً عن الفكر الشمولي الذي أذاق الشعب ما أذاق بكل الانقلابات العسكرية التي تمّت وكَانُوا هُم من ورائها ودفعاً لها. وليس هُنالك عساكر يجرأوا أن يقوموا بانقلابٍ عسكري ما لم يضمنوا قوى سياسية تقف من ورائهم، وهذا ما تمت بالنسبة للانقلابات العسكرية الثلاثة التي حكمت السودان طوال هذه العقود وأوردته موارد الهلاك.

اترك رد