بقلم: محمد جبرائيل حاج محمد

لماذا "رفع الدعم" هو أحد مُكوِّنات أي وصفة علاجية لأزمة الاقتصاد السوداني؟

مع الإعلان الرسمي عَن تشكيل حكومة الكفاءات الوطنية بقيادة الخبير الاقتصادي الأممي د. عبد الله حمدوك، بدأت حُمى التّوقُّعات والتكهنات حيال العمل الذي سَوف تقوم به لمُعالجة مشاكل السودان التي لا حِصرَ لها وهي بلا شك تركة ضخمة من المَسائل المُعقّدة والشائكة التي خلّفها النظام البائد، وصدق من قال “إنك لا تكاد ترفع حجراً في أرض السودان إلا وتجد تحته مُشكلة”. وبحسب ما أعلنت الحكومة وفي أكثر من مُناسبةٍ، فإنّ جدول أولوياتها تتصدّره قضيتا السلام وإصلاح الاقتصاد وتحسين معاش الناس. وهنا يقفز إلى ذهني سُؤالٌ مُهمٌ وهو: “هل تجد حكومة حمدوك المال الكافي لدفع فاتورة السلام ثم تحقيق الاستقرارالاقتصادي المنشود؟”. لا شك عندي في كفاءة وحصافة المجموعة التي تمّ اختيارها وقُدرتهم على تسيير مهام الفترة الانتقالية، ولكنِّي أدعوكم فقط لتأمُّل أحد أكبر تحديات برنامج الإصلاح الاقتصادي في السودان وهو جدلية رفع الدعم عن السلع الأساسية (الوقود، الخُبز والدواء)، إنّ كلفة دعم هذه السلع بحسب مصادر حكومية، تبلغ حوالي 8 ملايين دولار لليوم الواحد. وإذا أخذنا في الاعتبار عُمر الحكومة الانتقالية والمُقرّر بـ39 شهراً وهو ما يُعادل 1187 يوماً، فإنّ هناك حاجةً لمبلغ 9.5 مليار دولار هذا فقط من أجل الحفاظ على أسعارها القائمة حالياً لتكون سائدةً خلال الفترة الانتقالية. هذا في وقتٍ أعلن فيه السيد رئيس الوزراء أنّ حكومته تحتاج مبلغ 8 مليارات دولار كمُساعدة أجنبية خلال العامين المُقبلين لتغطية الواردات وللمساعدة في إعادة بناء الاقتصاد. هذا المبلغ أثار كثيراً من اللقط واعتبره البعض حُلُماً بعيد المنال لدولة تحتل المرتبة الثالثة في قائمة الدول الأفريقية الأكثر مَديونيةً بإجمالي ديون خارجية بلغت 50 مليار دولار. دَعنَا نَفترض أنّ هذا المبلغ قد تَمّ تَحصيله فعلاً، وحسب التّحليل المُتقدِّم، فإنّ هذا المبلغ لن يَكفي حَتّى لتغطية دعم السلع الأساسية خلال الفترة الانتقالية، بل يستوجب الأمر طلب 1.5 مليار أخرى.
الاقتصاد السوداني يُعاني من تَشوُّهات خَطيرة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، التزايُد المُضطرد في حجم الواردات مع ضعف الصّادرات وهذا مِمّا أدّى إلى تنامي عجز ميزان المدفوعات ليصل إلى 5 مليارات دولار. ومِمّا يُندى له الجبين حقاً أنّ 80% من وسائل الإنتاج في السودان مملوكة للقطاع الخاص سواء كان شركات أو أفراداً. وهؤلاء لا شأن لهم في التزامات الحكومة فيما يلي دفع استحقاقات السلام والمُتمثلة في قضايا التنمية الاقتصادية للمناطق المُتأثِّرة بالحرب، فَضْلاً عن الإيفاء بالتزامات حَركات الكفاح المُسلّح تجاه الآخرين تمهيداً لدمجهم في العملية السياسية. وفي ظل هذه التّعقيدات، هناك ثمة أمل مَعقود على إرادة الشعب السوداني في خَلق واقعٍ أفضل إذا لَمِسَ هذا الشعب من الحكومة الجديدة النِّيَّة الصادقة في انتشال البلاد من مُتلازمة الفشل والعجز والتي وصمت مسيرة الحكم الوطني في السودان منذ فجر الاستقلال.
إنّ المُساهمة المُنتظرة من الشعب السوداني تتمثّل في قبوله للتدخُّل الجراحي (رفع الدعم عن السلع الأساسية) الذي أصبح لازماً لكتابة حياةٍ جديدةٍ للاقتصاد السوداني والذي أقعدته العاهات بفعل الحكومات السّابقة منذ الاستقلال وخُصُوصاً في عهد الإنقاذ العضوض. الدولة لن تستطيع ولو استعانت بأعتى جيوش العالم أن توقف عمليات التهريب. فطالما أنّ سعر السلع رخيصٌ في السودان بسبب سياسة الدعم الحكومي، فلا شك أنّها سَتُهرّب لدول الجوار طالما أنّ ذلك مُربحٌ. لا تُحدِّثني عن القيم الوطنية، فالحقائق التاريخية تخبرنا أن لا وطنية مع الفقر والجوع. وهنا ينبغي الإشارة إلى أنّ الدعم الذي يُقدّم حالياً وبشكله هذا يخدم الأغنياء أكثر من الفقراء. ولذلك نَرَى أن يتم ابتكار وسائل أُخرى بديلة لدعم الشرائح الضعيفة في المُجتمع السوداني وتحصينها من مُضاعفات هذا العلاج والذي يبدو جُزءاً مُهمّاً من حزمة الإصلاحات المطلوبة لتحقيق النهضة الاقتصادية المَأمولة.
الحكومة الانتقالية لديها الفُرصة سَانحة من أجل إيقاف هذا الظلم الذي يتعرّض له الفقراء في بلادنا. ففي الوقت الذي يكتوي فيه الفقراء من نيران الغلاء الفاحش وتضيق عليهم الدنيا بما رَحبُت، يستمتع الأغنياء بالوقود الأرخص على مُستوى العالم وتتضاعف ثرواتهم. إنّ من مُتطلبات العدالة الاجتماعية أن يتم على الأقل إعادة النظر في سياسة دعم السلع ويلزم الأمر إِيجاد صيغة لتوفير دعمٍ إضافي للفقراء لأنّهم مع كل هذه التكلفة (8 ملايين دولار يومياً)، يُعانون وبشدة وأكثرهم يعيشون على وجبةٍ واحدةٍ في اليوم. نُريد من أصحاب الدخول العالية والمُتوسِّطة أن يظهروا وطنيتهم وأن يتنازلوا ولو مرّة في العُمر لصالح الفقراء. وهنا أتذكّر المقولة التاريخية للفيلسوف مهاتما غاندي: “يجب أن يعيش الأغنياء ببساطة أكثر حتى يستطيع الفقراء أن يعيشوا”. إنّ نشوتنا بالعهد الجديد والنجاح في تنفيذ الخطوة الأولى في اتجاه بناء الدولة المَدنية وتَحقيق التحوُّل الديمقراطي يجب أن لا يصم آذاننا عن سماع نواح الفقراء والجوعى. يجب أن تنتصر هذه الثورة للمُهمّشين والمَساكين وأن ترد لهم اعتبارهم في العيش الكريم بوطنهم دُون أن يضطروا للهرب منه.

اترك رد