حاطب ليل || د.عبداللطيف البوني

وعقبال السودان

(1 )
في كل دساتير السودان التي سميت دائمة (طبعا لم تدم فالدوام لله وحده) كان نظام الحكم نظاماً رئاسياً ليس هذا فحسب حتى في مشاريع الدساتير التي لم تكتمل كان المقترح أن يكون نظام الحكم رئاسياً وذلك لأن ترامي أطراف السودان وتنوعه وتبايناته تحتاج لرمزية رئاسة الجمهورية أما النظام البرلماني فقد فرضته الظروف فرضاً فمجيء الاستقلال بصورة مفاجئة جعل الجميع يقبلون تقرير لجنة سورماركن وجعلها دستوراً مؤقتاً لعام 1956بعد إجراء بعض التعديلات عليها كذلك مجيء أكتوبر فجأة جعل الناس يقبلون دستور 1956 المعدل 1964 وكذلك اندلاع ثورة إبريل فجأة أضاف تعديل 1985 على ذات الدستور القديم ولكن مع ديسمبر المجيدة تم وضع وثيقة دستورية خاصة بها وهي التي وقعت في 17 أغسطس 2019 وقد نصت هذه الوثيقة على أن جمهورية السودان جمهورية برلمانية ولكنها أعطت كل سلطات رئيس الجمهورية في الدستور السابق لرئيس الوزراء فابقت على الشكل الرئاسي وحتى بعد قيام المجلس التشريعي المعين سوف يستمر هذا الشكل.
(2 )
الدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء وفي تصريح مشهود أبدى استغرابه كيف يكون السودان جمهورية برلمانية في حين أن العالم كله وإفريقيا على وجه التحديد يمضي في الطريق الرئاسي. من المؤكد أن لحمدوك حيثيات بنى عليها رأيه ولكن الذي نحن بصدده الآن هو أن النظام الرئاسي قد ظهرت له إبداعات مؤخراً منها أنه يمكن أن يأتي بكفاءات خارج المؤسسة السياسية المسيطرة وهذا يسرع بوتيرة الإصلاح والتغيير والتجديد. ففي فرنسا ظهر الشاب ماكرون كفلتة سياسية غيرمنتمٍ لأي حزب من الأحزاب المتنافسة وفاز برئاسة الجمهورية ثم وجه الذين صوتوا له بأن يصوتوا للعناصر التي يرشحها في الهيئة التشريعية، وقد كان. وهكذا قام ماكرون (زوج الحيزبون) بانقلاب سياسي على المؤسسة التقليدية التي ظلت ممسكة بخناق فرنسا منذ أيام شارل ديجول.
(3 )
أما العجب العجاب فقد كان في تونس في مطلع هذا الأسبوع فتونس التي انطلق منها الربيع العربي وهي الوحيدة التي ثبت فيها هذا الربيع وتفتحت أزهاره وفاح عبقه وهو الآن يخطو بخطى واثقة لإكمال عقده الأول . في تونس تنافس في انتخابات رئاسة الجمهورية المعادة شخصان وهما قيس سعيد ونبيل القروي وكلاهما جاء من مصاطب الطبقة الوسطى وليس لديه انتماء حزبي قديم وقد اكتسحها قيس سعيد بفارق كبير وهو الأبعد من المؤسسة الفرانكفونية التي رفع لواءها الحبيب بورقيبة وكرسها بن علي (هرب ياناس) بينما القروي المهزوم أعلن عن تمسكه بها ودعم ذلك بألفاظ الحادية لم يكن محتاجاً لها ولكن الذي نحن بصدده أن كليهما من خارج مؤسسة الأحزاب التقليدية وأن الشعب انحاز للتغيير.
(4 )
قصدنا من الذي تقدم أن ندعو مبكراً للجمهورية الرئاسية في الدستور المرتقب لأن النظام الرئاسي سوف يمكن شخصيات من خارج الأحزاب القديمة من الفوز بالرئاسة (هسي أنا قلت فلان الفندوك ؟) كما حدث لماكرون وقيس سعيد وهذا الرئيس المرتقب سوف يؤثر على الناخبين للهيئة التشريعية وبذلك سوف نكون أمام تنظيم سياسي جديد ولكن قول لي هل ستمضي الفترة الانتقالية ويتم وضع الدستور ذو النظام الرئاسي وتجرى الانتخابات بسلام ؟ يا رييييت…

اترك رد