فتح دبلوماسيين أمريكيين لحسابات مصرفية في الخرطوم.. إشارات ودلالات

تقرير: محمد عبد العزيز

فتح أربعةٌ من كبار موظفي السفارة الأمريكية في الخرطوم حسابات مصرفية بالدولار في بنك الخرطوم للمرة الأولى منذ عقود، وكانت واشنطن رفعت في 2017 الحظر الذي فرض لعقود على السودان، لكنها أبقت السودان على لائحتها للدول المتهمة بدعم الإرهاب مما يحد من الاستفادة الكاملة من القرار.

إشارات دبلوماسية
الاهتمام الإعلامي بالخطوة على الرغم من رمزيتها، يأتي من حقيقة أن الحظر المصرفي يشكل أكبر عقبة أمام الاقتصاد السوداني، بجانب أن ذلك يحمل إشارة لمشاركة الدبلوماسيين الأمريكيين في دعم الاقتصاد السوداني، والتأكيد على إزالة القيود المفروضة على البنوك الأمريكية في الخرطوم منذ أكتوبر 2017.
مساعدة رئيس بعثة السفارة الأمريكية في الخرطوم إيلين ثوربرن، تقول في تصريحات صحفية بعد إجراءات فتح الحساب: “رفعنا العقوبات الاقتصادية في 2017، ونريد أن نظهر أن السودان منفتح على الأعمال وأن المصارف، المصارف الدولية والشركة مرحب بها مجددا هنا”.
وأوضحت الدبلوماسية الأمريكية أن هذه المبادرة اتخذت في اللحظة المناسبة نظرا لتولي الحكومة الانتقالية مهامها في سبتمبر و”للتغييرات التي قامت بها”.
فيما يفصل مدير قسم الشؤون العامة بالسفارة الأمريكية بالخرطوم كيث هيوز الذي فتح حساب مصرفي أكثر ويقول: في أكتوبر من العام 2017 رُفعت العقوبات الاقتصادية عن السودان إلا أننا اخترنا عدم التعامل مع المصارف المحلية في ذلك الوقت بسبب النظام السابق”. ويضيف هيوز: “الآن تغيرت الأوضاع بعد الثورة فقررنا فتح حسابات في المصارف المحلية لنُظهِرَ للعالم مشروعية التعامل مع المصارف السودانية كما أن الخطوة تأتي استجابة لدعوة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك للسودانيين لفتح حساب بالدولار “الوديعة الدولارية” لصالح البلاد باسم وزارة المالية وتحفظ في بنك السودان لدعم الاقتصاد الوطني على أن تسترد الوديعة بعد 3 سنوات”.
ويبدي مدير قسم الشؤون العامة بالسفارة الأمريكية بالخرطوم أمله في أن تشجع الخطوةُ السودانيِّين والأجانب المقيمين في السودان لفتح حسابات مصرفية بالعملة الأجنبية لدعم الاقتصاد السوداني وتعزيز قيمة العملة المحلية.
الصحفي والمحلل محمد عبد الحميد، يقول إن الخطوة تعد بارقة أمل وعودة للعلاقات المصرفية مع أمريكا، ما يعني عودتها مع العالم في المجال المصرفي، خاصة وأنها لم تشهد تطورا منذ رفع العقوبات عليها، لافتا إلى أن فتح حسابات أمريكية بالعملة الصعبة في البنوك السودانية خطوة إيجابية.
المحلل الاقتصادي، هيثم فتحي، يقول إن الخطوة تعد بارقة أمل وعودة للعلاقات المصرفية مع أمريكا، ما يعني عودتها مع العالم في المجال المصرفي، خاصة وأنها لم تشهد تطورا منذ رفع العقوبات عليها، لافتا إلى أن فتح حسابات لدبلوماسيين سودانيين مؤشر جيد للاقتصاد السوداني، مضيفا أن أمريكا لها ثقلها إذ أنها تمتلك أكبر اقتصاد عالمي، ولذلك وجود واشنطن كفاعل في البلاد من خلال حسابات مصرفية هو تعزيز للعلاقات بينهما.
ويشير فتحي إلى أن بنك الخرطوم بملكيته الإماراتية كان خارج إطار الحظر، إلا أن الخطوة تمثل تجاوز للحصار النفسي.

تحدٍّ مصيري
وأعلن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في وقت سابق عزمه بناء اقتصاد منتج يأتي ذلك وسط تحليلات تشير إلى أن نجاح السودان في عبور الفترة الانتقالية والوصول إلى انتخابات 2022 رهين بتجاوز الأزمة الاقتصادية خاصة وأن الثورة حدثت في ظل انهيار اقتصادي كامل، فيما يدين السودان بـ56 مليار دولار من الديون الخارجية ويمثل وضعه في لائحة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب عائقا أمام إعفاء ديونه أو الاستفادة من التعاون مع مؤسسات التمويل الدولية.
غير أن بعض المراقبين يقللون من الخطوة، ويقولون إن مثل هذه الخطوة بالرغم من رمزيتها لن تكون فعالة دون إزالة اسم السودان من لائحة الإرهاب مما يتطلب من واشنطن إظهار دعمها الحقيقي للسودان عبر إزالة الكونغرس الأمريكي لاسم السودان من لائحة الإرهاب.
وفيما يتعلق بإزالة اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب يقول هيوز، إن الأمر مرتبط بإجراءات ويعملون عليها ولكن يجب إدراك أن الأمر لا يمكن إنهاؤه بكبسة زر ويزيد: “أنا أكثر من متفائل بامكانية ازالة السودان من لائحة الإرهاب”.
الصحفي كمال عبد الرحمن مختار ينظر للمسألة على أنها خطوة رمزية أرادت الدوائر الدبلوماسية الأمريكية من خلالها توصيل رسالة تظهر طريقة تغير تعامل المجتمع الدولي، وبالطبع الإدارة الأمريكية، مع الواقع الجديد في السودان، وتحمل الرسالة أيضا إشارة واضحة لإمكانية إحداث اختراق في ملف الحظر المصرفي الذي أحدث تشوهات كبيرة في الاقتصاد السوداني.
ووفقا لمختار فيمكن النظر إلى الأمر في مجمله من خلال ثلاث زوايا الأولى تتعلق بسلوكيات النظام السابق وهي التي قادت حتما لفرض العقوبات التي أحدثت أضرارا بالاقتصاد السوداني وبنيته تفوق قيمة تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة اكثر من ٣٥٠ مليار دولار. وأعتقد أن المجتمع الدولي يفرق بين أخطاء وسلوكيات نظام المخلوع عمر البشير والشعب السوداني الذي بالفعل دفع الثمن غاليا، في حين استفاد زبانية النظام وسماسرته من الحظر ومارسوا تحت مظلة الاقتصاد الأسود التي سادت في أعقاب الحظر سلوكيات تجارية أرهقت المستهلك والاقتصاد الكلي.
أما الزاوية الثانية، وفقا لمختار، فتتمثل في تخلف القطاع المصرفي السوداني عن نظيره العالمي، وهو ما يوجب ضرورة ردم الهوة التقنية والقانونية. وإذا أراد القطاع المصرفي السوداني الاندماج مجددا في النظام المالي العالمي لا بد من إصلاح البنيات التحتية للمصارف بما في ذلك الجوانب التشريعية والقانونية للتأكد من انسجامها ومواءمتها لقوانين وقواعد بازل وقوانين غسل الأموال والامتثال الضريبي وغيرها من الأسس واللوائح الدولية التي تضمن انسياب العلاقات والمراسلات المصرفية، ففي ظل تطور أسس الرقابة العالمية وتشدد الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية في مسألة فرض عقوبات على البنوك المخالفة لن يجرؤ أي مصرف عالمي على تعريض نفسه للعقوبات والتعامل مع البنوك السودانية في ظل ما تعيشه من تدهور كبير في بنياتها التشريعية والفنية والقانونية.
ويمكن تلخيص الزاوية الثالثة في تجهيز القنوات الاستثمارية والاقتصادية والمالية للتعامل مع واقع ما بعد رفع الحظر. ويرى مختار أنه في حال نجحت الجهود الحالية الرامية لرفع الحظر كليا، وشطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فهناك حاجة لإحداث ثورة حقيقية في السلوكيات الإدارية والاستثمارية وتفعيل التشريعات التي يمكن أن تعيد ثقة المستثمر العالي بشقيه الحكومي والخاص في الاقتصاد السوداني والتي وصلت إلى الحضيض بدليل أن السودان يحتل حاليا مرتبة ثالث اكثر بلدان العالم فسادا بحسب مؤشر منظمة الشفافية العالمية.
على كلٍّ، يمكن القول إن فتح دبلوماسيين أمريكيين لحسابات مصرفية في السودان يمثل إشارة دبلوماسية تتجاوز حدود السودان لتاكيد دعم واشنطن للحكومة الانتقالية في السودان وأن هذا الدعم سيسبق حتى عملية إزالة السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب والتي قد تستغرق وقتا، وهو ما يعني إنهاء عزلة الخرطوم الاقتصادية.

اترك رد