الطريق الثالث – بكري المدني

دالي والقراي

  • الأقدار وحدها جعلتني أنشأ في بيت يمكن اعتباره مجازا (بيتا جمهوريا) حيث كان وما يزال شقيقي الأكبر يعتنق الفكر الجمهوري بشكل لا يقبل المراجعة، ولقلة المنافذ ذلك الزمان، فلقد كانت المكتبة الورقية والصوتية هي النافذة الوحيدة المتوفرة لنا للاطلاع والثقافة، كما أن طبيعة التداخل وقتها جعلت من جلسات الإخوان الجمهوريين وزياراتهم هي أكثر البرامج الاجتماعية المتاحة والمفضلة في نفس الوقت لطقوسها الغريبة!

  • كانت وما زلت وستظل الفكرة الجمهورية مبهمة ومعقدة وعصية على الفهم ناهيك عن الإقناع، لكن المتفق عليه لمن عاصر الجمهوريين وعاشرهم على المستوى الاجتماعي الشهادة بأنهم الأفضل مطلقا بين المجتمعات السياسية والفكرية من حيث السلوك الجماعي والفردي معا، ويكاد يكون المجتمع الجمهوري هو الوحيد الخالي من (الملاحيظ) السالبة على المستوى الفردي أو الجماعي بحيث لم نسمع أو نرَ أو نشهد حتى كبرنا وتباعد الخطى بأي نقيصة لجمهوري أو جمهورية تحط من أخلاقه أو قدره!

  • إن الشهادة فيما ذكرت أعلاه كانت تأتي حتى من يخالف الإخوان الجمهوريين الرأي والموقف، وأذكر في ذلك أن والدنا رحمه الله كان يحمل على شقيقنا الأكبر ويحرق كتب الجمهوريين، ويُتلف أشرطة تسجيلات الأستاذ محمود محمد طه، ويفرق بعصاه في بعض الأحيان جلساتهم خشية أن نتأثر بهم، ولكنه رحمه الله وعلى سرير الموت بعد ذلك بسنوات طويلة، أشار إلى أن يصلي به القيادي الجمهوري المعروف المهندس الهادي آدم، وأذكر أني مازحته لحظتها بالقول (لكن الهادي ده كافر يا أبوي!)، فانتهرني بالقول إن (الهادي) لا يعرف الحرام أو كما قال يرحمه الله.

  • أمس كان يوم الجمهوريين بلا منازع، فلقد تم الإعلان عن تكليف الدكتور عمر القراي بإدارة المناهج في السودان، وفي ذات المساء كان جناح الجمهوريين في معرض الخرطوم الدولي للكتاب تتصدره صورة الأستاذ محمود محمد طه، يقوم لأول مرة منذ قيام المعرض، وأمس أيضا هبط إلى مطار الخرطوم قادما من أمريكا الدكتور الدالي أحد أبرز نجوم الجمهوريين في عقدي السبعينيات والثمانينيات بجامعة الخرطوم، ولقد أخاف هذا الظهور الكبير للإخوان الجمهوريين -إضافة طبعا إلى تكليف ولاء البوشي بوزارة الشباب والرياضة- أخاف هذا الظهور الجمهوري كثيرا من الناس على الناس كافة من الفكر الجمهوري ولكن..

  • ولكن مناهضة الفكر الجمهوري وأي فكر لا تكون كما كان يفعل والدنا رحمة الله بمنع الكتب حد الحرق وإتلاف التسجيلات ولا تفريق الجلسات بالعصا وإنما بإتاحة الفرصة لكل الناس للتعرف على هذا الفكر وتقييمه بشكل موضوعي وستكون النتيجة في تقديري لصالح الجميع: الجمهوريين وغيرهم من المسلمين فالحقيقة بنت الجدل وليس الجلد !

  • أقولها من خلال شهادات من داخل المجتمع الجمهوري. ما كان الأستاذ محمود محمد طه يصلي الصلاة المعروفة والتي أخذها رسولنا الكريم من ربه كفاحا عند ليلة الإسراء والمعراج والتي أخذناها عنه صلى الله عليه وسلم من بعد بالاقتداء والتقليد والتكليف، فلقد كانت لمحمود صلاة أخرى وبالجملة يمكن القول كانت له عبادة أخرى يظن أنها يمكن أن ترتقي بالإنسان إلى مرتبة (الأصيل) وهو مقام (إلهي) ومن هنا يتفرع الفكر الجمهوري، فهل هذا هو الفكر الذي يخشى بعض الناس من تأثيره على الناس؟!

  • لقد سعدت على مستوى خاص بظهور الإخوان الجمهوريين ولا أخشى على المستوى العام على الناس من أفكارهم، وأسعد بأن يؤثروا على الناس بسلوكهم الشخصي، ففي الأولى لا أعتقد أن الناس سوف تتأثر بأفكارهم بل العكس قد يتأثر بعض الجمهوريين أو كلهم من خلال النقاشات الموضوعية بأطروحات الكافة، وفي الثانية من الجيد أن يفيد مجتمعنا العريض من مثالية سلوك أفراد المجتمع الجمهوري الصغير حيث لا كذب ولا نفاق ولا استغلال ولا أي من شائن الأفعال!

  • مرحبا دالي والقراي والحرية لنا ولسوانا.

اترك رد