نـور ونـار مهدي إبراهيم أحمد

في بريد وزيرة التعليم العالي

في عهد النظام السابق انتظمت الجامعات الحكومية، ظواهر الحرب الخفية بين المُعسكرات وتنازُع مراكز القوى، أكاد أجزم جل الجامعات مَعارك مِن نوعٍ آخر، كل مُعسكر بما لديهم فرحون، بل كانت تلك الصِّراعات تَتكرّر مع كل دورةٍ لمديرٍ جديدٍ، فيُعز أقوامٌ ويُخفض آخرون، بل وينفق المدير جل فترته في تفتيت بؤرة الخصوم وإبعاد المُناوئين وهكذا دُون أن تكون للجامعات حظٌ ونصيبٌ في العملية التعليمية، بَل قَد يَمضي المُدير فلا تَلمس له أَثَرَاً فيَمضي ويَبقى كاسمٍ في لوحة شَرف الجَامعة كَواحدٍ من المُتعاقبين من جُملة آخرين، بَعضهم أصاب حظاً وصادف نجاحاً وإنجازاً وأضحى عَصِيّاً على النسيان.
كل ذلك عندي جاء من خلال التعيين عبر مجالس الجامعات، أو من خلال تَقديم القوائم والتّكتُلات، والتّعيينات السِّياسيَّة من داخل الولاية الواحدة، سواء عبر التّعيين والانتخاب أو الاختيار تستوي في ذلك الجامعات وغيرها، حيث تتمايز الصفوف وتتعدّد المُعسكرات، وتصبح غاية كل فريق النيل من الفريق الآخر، وتقليم أظافره، وقص أجنحته، بوهم الانحياز والتقارُب مع المُناوئين، فيضيع التوجُّه، وتتُوه معالم الطريق، وتحيد المنظومة عن غايتها المأمولة في التميُّز والتطوُّر.
الآن وقد أُعفي جل أولئك المديرين وتشتت حاشيتهم، نأمل أن يكون العهد الجديد فاتحة خير لتطوير العملية التعليمية، أن تقدِّم الثورة بحكومتها الانتقالية نُموذجاً رائداً في الإدارة، يتساوى فيه الجميع، أن لا يقعوا في ذات الأخطاء التي وَقَعَ فيها النظام السابق، التي أورثت الغُبن، ومايزت بين الناس، ورَفعت مَن يفتقرون إلى المُؤهّل والدّرجة لشغل المنصب بعيداً عن التدرُّج والمُمارسة، وأبعدت أصحاب التميُّز والكفاءة، بل وكانت دافعاً لتكريس كل مثالب الإدارة والالتفاف حول المنصب.
لا نُريد للجامعات الأخرى أن تكون حواضن للمُعسكرات، أن ينزل كل صاحب كفاءة قدره، أن لا يضام الناس في تميزهم وانتمائهم، أن لا يكون بند الإيمان بالحُرية والتغيير دافعاً وسبباً لإعادة تلك المُمارسات القميئة، والمسالك البغيضة، فيُحارب أصحاب الدرجة الرفيعة، ويُرفع أصحاب المُؤهِّل الأدنى، وتكون الجامعات وسيلة لتصفية الحسابات والانتقام بحجة الانتماء والإيمان بمبادئ الحُرية والتّغيير.
نُريد أن تكون للجَامعات اِعتباريتها، أن نُعيد لها ألقَها الغَائب، وسُمعتها المَفقودة وتميُّزها المشهود، لكن لا يتأتى ذلك إلا بمُحاولة إرساء نهجٍ جديدٍ، لا مجال فيه لشلليات أو مُعسكرات تُعيد دوران الأزمة، وتُحيل الجامعات إلى صراعاتٍ ليست لها نهاية، تخصم من تميزها الكثير، وتتُوه به بوصلتها، بل وتصرف جُهد الإدارات فيها بعيداً عن الغاية المَنشودة في جعل حاضر الجامعة أفضل من ماضيها، وغدها أفضل من يومها.
يقيناً لا يتأتى ذلك إلا بالرقابة العامة، باجتثاث دابر تلك المُمارسات، بالتقييم الدائم، بمُحاولة محو كل صورة من شأنها أن تُشوِّه واقع الثورة، بالتعامل بحسمٍ مع كل تجاوُز في التعيين والاختيار والدّرجة، بالتّعامُل الحَازم مع كُلِّ تَأرجُح في ميزان العملية التّعليمية، بذلك نضمن أن يعود للجامعات والمواعين التعليمية مكانها الغائب في نهضة المُجتمع وتطوُّر الدولة، وبضدها قطعاً تتمايز الأشياء.
انعكست مُمارسات العهد السابق على العملية التعليمية في الجامعات، فانعدمت الثقة تماماً، بل وصرنا نسمع عن تجاوُزات وتزويرٍ وتخطٍ وإبعاد وصراعات وأشياء من ذلك القبيل، نأمل مع ذلك العهد الجديد أن تختفي تلك الصور الكالحة، وأن يتقدّم لشغل المنصب أصحاب الكَفاءة أولاً، أن لا تقدم الوزارة في عهدها الجديد على تجاوُزات في التعييين وملء المناصب ما يطعن في رسالتها توجُّهاتها وتميُّزها، بل تكون غايتها أن تقدم نُموذجاً لا يقدح فيه بذمٍ، ولا ينتقد فيه بإخفاقٍ، وأن يكون مثالاً ما استدعى الأمر المُقارنة بآخرين في الرسم والإنجاز والغاية.

اترك رد