امرأة بلا قيود محاسن أحمد عبد الله

أبو عركي روح الغناء

رغم بُعده الطويل والقسري عن السَاحة الفنية، ظلّ صدى أغنيات الماضي يطرق آذاننا، ورغم حرمان جمهوره المُتعطِّش لنقطة من بحر فنِّه، صبرنا ورابطنا في انتظار أغنيات حبيسة حنجرته، رغم المتاريس التي اعترضت طريقة وبلغت حد موته كان جمهوره الأوعى والأقوى، ورغم الفَوضى والعشوائية التي تَسيّدت المشهد الفني كان صوته الأمل الذي نتشبث به لواقع غنائي أفضل.
منذ عودته إلى الساحة مُجدّداً بإطلاق سراح أغنياته، رقصت دواخلنا طرباً وهاجت أشجاننا فرحاً وهو يبلِّل ريق حنجرته باللحن والكلمة بعد جفافٍ دام طويلاً أتعب فيه جمهوره حد الإعياء، عاد أكثر ألقاً وإشراقاً وحماساً لم يخبُ بريقه رغم سنوات الظلم العجاف والحسرة.
قوة وعزيمة أبو عركي تتمثل في قُوته وتحديه للحزن والألم وهو في أصعب المواقف، يتقطّع من الداخل ثُمّ يعود أقوى مما كان عليه وهو ما شاهدته بأم عيني بحكم قلبي من الوسط الفني وأهله، وذلك عندما يرى أعز أصدقائه من الفنانين والموت يتخطفهم، كانت دمعاته تُسابق خطواته ويتقدّم المعزين وخفقات قلبه يعلو وهو يشيع من يحب إلى مثواه الأخير، هذا عنوان لوفائه الذي لا يختلف عليه اِثنانٌ.
فيما تجسّد الحُزن بكل معانيه والتف من حوله عند فقده لرفيقة دربه ومشواره الطويل د. عفاف (رحمة الله عليها)، وقتها قلنا إنّ عركي (انتهى) ونحن نُشاهد على الدوام عند كل زيارة له عُيُوناً متدفقة ألماً ووجعاً وجسداً منحولاً (حزناً وفقداً) لا يكاد يقوى على الحراك وهو يتوسّد ذلك الفراق ليله ونهاره، ورغم ذلك تجاوز عركي حُزنه من أجل جمهوره ولإهداء زوجته الراحلة شيئاً من حُبه وحُزنه، وقتها استمعنا له بِحُبٍ شَديدٍ وهو يقف على خشبة المسرح برفقة حُزنه الذي جاء مُدوزناً لأغنياته حِسّاً ومَعنىً.
هكذا هو عركي الفنان الإنسان الذي كُنّا سنندم كثيراً على فقدانه إذا ما تَمَرّد على الغناء نهائياً.
عزيزي عركي.. لقد وقفت في وجه الظلم والقمع وتحديته سنوات طويلة، أما آن لك أن تترجّل عن صهوة جوادك لتملأ مسارحنا وأنديتنا وساحتنا بسيلٍ من الأغنيات الجديدة.. لقد ظمأت وحنت آذاننا للمزيد دون توقف.
عزيزي عركي.. إذا علمت ما تفعله بنا وأنت تغني أمامنا لما توقفت، ولو علمت ما نحمله لك من حُب وشوق لما غبت.
أنت صمام الغناء في السودان وروحه، فقط عليك أن تعلم أن الأنظمة الظالمة الفاسدة ستذهب.. ويبقى الوطن وجمهورك الوفي.. ويبقى الحُب بيننا مَرتعاً للأغنيات الجميلة.
بدون قيد..
أبو عركي غَنِّي..

اترك رد