د.عبد اللطيف البوني – حاطب ليل

كفاية خرطوم
(1 )
يحكى أن السيد إسماعيل الأزهري عندما كان رئيساً لمجلس السيادة كان يصر على أن يجد في مكتبه كل صباح نشرة للأحوال الجوية خاصة في فصل الخريف ليعرف أماكن ومعدل هطول الأمطار في البلاد إذ يعتبر ذلك المؤشر الأساسي على حالة البلاد. السيد الصادق المهدي عندما أصبح رئيساً للوزراء في 1966وكانت كل مدته ثمانية أشهر أمضى منها عدة أسابيع متجولاً في ربوع السودان وبهذه المناسبة في ذاكرتي تقبع طرفة قرأتها في صحيفة من صحف تلك الأيام ويومها كنت تلميذاً في بداية المرحلة الوسطى تقول إن ركب السيد توقف في إحدى القرى فتوضأ أحد السائقين وكبر للصلاة فتحرك الوفد فقطع الرجل صلاته وركب سيارته فقيل له لماذا قطعت صلاتك رد بالقول (ربنا بيرحم لكن الناس المستعجلين ديل ما برحموا). أما السيد الشريف حسين الهندي عندما كان وزيراً للمالية كان عندما يريد تفقد مشروع الجزيرة يخرج مع صلاة الصبح وحده ويدخل المشروع من جهة القسم الشمالي ثم الغربي إلى أن يصل المناقل ويأتي لبركات من جهة الجنوب ليجد المحافظ في انتظاره ويناقشه عن علم ودارية.
(2 )
أعلاه أمثلة لاهتمام الحكام بالريف السوداني على أساس أنه جمل الشيل لهذه البلاد الأمر الذي نفتقده هذه الأيام. لقد تجاوزنا فترة الإنقاذ الطويلة لأن الزيارات اتخذت طابع البيعة السياسية بالاحتشاد والصرف البذخي ولكن هذا لا ينفي أن هناك زيارات عملية كتلك التي كان يقوم بها البروفسير جنيف وزير الزراعة والمرحوم أبوشورة وزير الري في أول أيام الإنقاذ أما في حكومة الثورة الحالية فهناك بطء واضح في التوجه نحو الريف اللهم إلا تلك الزيارة المهمة لمعسكرات النازحين بدارفور التي قام بها رئيس الوزراء قبل أيام وهناك زيارات تفقدية قليلة من بعض الوزراء للأقاليم قد يكون الوقت مبكراً لهذا الحكم لكن إذا قارنا الزيارات الخارجية بزيارات الداخل سيكون الحكم في غير صالح الحكومة الحالية.
(3 )
الأقاليم الآن تشهد نهاية العروة الصيفية موسمها الناجح وخيرها الوفير بسبب موسم الأمطار الممتاز الذي شهدته البلاد في عام الثورة الأول وبداية العروة الشتوية الواعدة فكان ينبغي أن يكون وزراء القطاع الاقتصادي خاصة وزير المالية في حالة اهتمام متناهٍ بأمر الأقاليم لا سيما وأن البلاد تعيش أزمة اقتصادية طاحنة فالجنيه السوداني كل يوم يرذل ولاعلاج عاجل لذلك إلا بالاهتمام بالصادر والذي يمكن أن يصل إلى الخمسة مليارات التي يطلبها السيد وزير المالية من (ناس بره) فالسمسم والقطن والذرة والفول السوداني كلها الآن تبحث عن الأسواق الخارجية لتعود بالدولار وهنا لا بد من دمعة حارة جداً على الثروة الحيوانية كما أن الاهتمام بقمح هذا العام يمكن أن يوفر فوق المليار بارتياح وكذا الألبان ومشتقاتها وبعض (التهابيش) يمكن أن توفر المليار . فرفع الصادر إلى خمسة مليارات وتخفيض الوارد اثنين مليار سيجعل العجز (ود ناس) وساعتها سوف نطلب العون التنموي بكل قوة عين أكاد أجزم بأنني أرى المليارات التي يهاتي بها الوزير أمام عينىي الآن. ولكن إذا ظلت الحكومة ناظرة للخارج وقابعة في الخرطوم حيث شفط الدعم وأموال التضخم الكثيرة واللغلغة السياسية تكون واطاتنا أصبحت.

اترك رد