ضياء الدين بلال

90% ….!

-1-
لأكثر من مرَّة صرَّح وزير الإعلام الأستاذ فيصل محمد صالح بأن 90% من الصحف ضد الثورة !
قلت لبعض الزملاء، ما يُردِّده الوزير ليس جديداً، بل هو قديم مُعاد.
ألم يكن الرئيس السابق عمر البشير ووزراء إعلامه أحمد بلال وإخوته، يُردِّدون ذات الاتهامات؟!
لم يصمت البشير عن القول بأن جميع الصحف أي بنسبة 100% ضد حُكمه، تخدم أجندة الأعداء: (حتى ناسنا بقو يكتبوا ضدنا)!
في يومٍ واحدٍ دخل البشير موسوعة جينيس، حين قام بمُصادرة أربع عشرة صحيفة حين غضبة !
لم تتوقف الإجراءات الاستثنائية ضدَّ الصحف من مُصادرات وإغلاقٍ على يد العقيد وقتها (كمال بور)؛ ومنع الطباعة وحجب التوزيع والاستدعاءات الأمنية والمحاكمات الكيدية خارج العاصمة!
حوربت الصحف بسلاح الإعلان، ومقص الضرائب، وإغلاق الأكشاك، والمثول أمام محاكم النَّشر!
قبل أيَّام اتهم ممثلو الدفاع عن البشير الصحف بالعداء لمُوكلهم، بتحريف الإفادات ومُحاولة التأثير على القضاء!
-2-
أزمة العلاقة بين السلطة التنفيذية والصحافة، قديمةٌ ومُتجدِّدة، وموجودةٌ في عددٍ من الدول، حتى الديمقراطية منها.
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب منذ أيامه الأولى في الحكم، وضع نفسه في مُواجهة أجهزة الإعلام الأمريكية.
أطلق تصريحات “لاذعة” في مواجهة إمبراطوريات إعلامية عريقة في الولايات المتحدة، مُتَّهماً إياها بالكذب والتزييف وتسريب التقارير والمعلومات الخاطئة لتضليل الشعب الأمريكي.
غالب الحكومات تُصاب بنوبات العطاس حين تُزعجها أخبار الصحف ومانشيتاتها الساخنة وتحقيقاتها الجريئة والمقالات النَّاقدة، خشية تأثيرها على الرأي العام.
صحافية أمريكية مشهورة قالت إنها لا تطمئنُّ لسلامة مهنيتها ونزاهة ما تقوم به إلا حينما تحظى بغضب الجمهوريين والديمقراطيين، وعدم رضاهم عنها!
تطابقُ وتماثلُ الموقفِ النفسي للحكومة السابقة مع الحكومة الانتقالية، ضدَّ الصحف ووضعها في خانة العداء، أكبرُ دليلٍ على وقوف غالب الصحف في المكان الصحيح من التاريخ والحقائق!
-3-
هذه ليست تبرئة أخلاقية مُطلقة، ولا شهادةً صحيَّةً شاملةً لكُلِّ الصحف الصادرة في الخرطوم.
الصحافة مهنة مثل كُلِّ المهن، تُصيبها الأمراض والعلل، ويتسلَّل إلى حوائطها الدخلاء وأهل الغرض.
رغم يقيننا القاطع بنُبل ورفعة هذه المهنة؛ ظللنا نُنبِّه ونحذر من الذين تتسلَّلُوا إليها عبر الحوائط القصيرة وبالسلالم الخلفية للمهنة.
يبيعون أقلامهم لمن يشتري عبر حملات مُنظَّمة تستهدف تشويه أفراد أو مؤسسات، أو تلميع وتنظيف واجهات وأسماء.
يمدحون بثمنٍ، ويشتمون بمُقابل، يستخدمهم البعض كقتلة مأجورين وكلاب صيد، ويستعين بهم آخرون كخبراء تجميل!
-4-
رغم ذلك، فإن المجرى العام للصحافة السودانية، ظلَّ يمضي في الاتجاه الصحيح.
وفي يومٍ شهد لها الراحل المقيم الأستاذ محمد إبراهيم نقد، بأن ما قامت به من دور في التطور السياسي وتوسيع الحريات، كان أكبر مما قامت به الأحزاب السياسية.
وجود تلك الأقلام ذات الأحبار المُلوَّثة والرَّوائح الكريهة، لا يقدح في دور الصحافة ولا يُقلِّلُ من تأثيرها، فهؤلاء تُميِّزهم أنوف القُرَّاء من السطر الأول، فتُصدِرُ في حقهم أحكام التجاهل والتجاوز إلى ما ينفع الناس.
-5-
بعض الموتورين، مشوهي الدواخل، محدودي القدرات، لا يكفون عن التحريض الرخيص على الصحف، والتأليب اللئيم عليها، على إيقاع (أم جميل) حمالة الحطب!
يتمنّون عودة الرقابة القبلية ومقصِّ الرقيب ومُصادرات الليل ومكائد النهار وأزمنة التأميم!
يُريدون لحكومة حمدوك أن تمضي على طريق من سبق، لكن بدركسون شمال!
وأن تقرأ من ذات الكتاب، لكن من اليسار إلى اليمين..!
قناعاتهم بالحرية زائفة، لا يقبلون الرأي الآخر إلا كرجع الصدى!
يُريدونها صحافةً خاضعةً لأمزجتهم العليلة، تعزف لحنهم الرتيب وترقص على طبلهم الأجوف بأقدام التزلُّف، لتدخل صاغرةً إلى بيت الطاعة أو تمضي إلى زوال!
لا يكفون – بصوت خمير – عن تحريض وزير الإعلام وأهل السلطان، على استخدام الأسلحة الصدئة، لذبح حرية التعبير وقمع من يُخالفهم الرأي واللون السياسي ولو بدرجة واحدة!
لا يعرفون للحرية معنىً غير أن يكون صوتهم الأعلى، ولا للعدالة قيمةً غير الفتك بخصومهم، ولا للسلام وجوداً إلا في دورهم ومكان نومهم!
-6-
للمُفارقة وسخرية الأقدار، يتولى كبر دعوات القمع والترهيب، أكاديمي مغترب، عُرِفَ عنه الانتهازية والجبن ودناءة النفس.
شخصٌ مسكون بالهواجس والظنون مُنتفخٌ بأوهام التميُّز والإبداع.
هو ربع شاعر وثمن تشكيلي وبقايا قاص ونتف مواهب خديج، إمكاناته في كل ذلك ذات أرجل كاذبة لا تمضي بعيداً!
كان يُشرف على مركزٍ ثقافيٍّ (مُسلَّح)، حامت حوله شبهات الفساد، وولَّى هارباً فزعاً حين (كتمة)، من ورائه ريح ومن أمامه ريح، وعندما سقط النظام بانت له أنيابٌ من لبن وأظافر من طين!
من على منابر الثلج، مثل آخرين، ظلوا يدعون لإعادة مناهج القمع وكتم أنفاس الصحف التي سعوا حبواً للعمل بها، وتسوَّلوا الظهور على صفحتها شهوراً وسنين.
فلم يجدوا حيزاً إلا بقدر ما في وعائهم الضحل، ولا قبولاً من القراء، فطفقوا يتميَّزون من الغيظ وفي حقدهم يعمهون!

-أخيراً-
نحن في حاجةٍ للانتقال من مُربَّع الكيد وتبادل الأذى.
سياسيُّون بأفكارٍ نيِّرةٍ وأدواتٍ مُعقَّمة، مثقفون وإعلاميون مبدئيون والوا الحكام أو عارضوهم، لهم استقامة أخلاقية تقيهم التناقض، واتساق في المواقف يكسبهم الاحترام!

اترك رد