حاطب ليل||د.عبداللطيف البوني

رغيفتك الخائف عليها!!

(1)
عُنوانٌ كَبيرٌ في صحف الخرطوم الصادرة يوم السبت الماضي، فحواه وصول ثلاث شاحنات تحمل في جوفها (1200) طن من القمح لميناء بورتسودان، وفي مساء ذات السبت أعطت قناة “الشروق” حيِّزاً كبيراً من نشرتها الرئيسية التي تبثها عند الثامنة مساءً لتعكس لنا مُعاناة المُواطنين في القضارف والجزيرة في سبيل الحصول على الرغيف من المخابز.
ففي القضارف قال أحدهم، إنّ كُوتة المدينة ثلاثة آلاف جوال دقيق وتصلها خمسمائة جوال فقط، وقال أحد المُواطنين إنّه وقف أربع ساعات في الصف للحُصُول على كيس الرغيف!!
أمّا في الجزيرة، فقد قالت إحداهن إنّها طَافَت على عدة مخابز لتجمع الرغيف من أجل الساندوتشات التي تبيعها لتلاميذ المدرسة، وإن الشغلانة معها بالخسارة، فيبدو أنها تدفع مبلغاً (تحت طاولة الخباز)!! ثم استضافت القناة في ذات النشرة السيد الباقر عبد الرحمن عن اتحاد أصحاب المخابز لمُناقشة القضية وأعطته وقتاً حتى نسينا أنّنا في نشرة أخبار!!
(2 )
أُصدِّقكم القول إنّني شَعرت بضيقٍ وحُزنٍ شديدين, شَعرت بأنّني عَاجِزٌ وفي بلد عَاجزٍ قليل الحيلة لا مُستقبل ولا أُفق أمامه، إلا قُل لي بربك كَيف نُعَانِي من نقص الغذاء في أكثر مناطق السُّودان إنتاجاً للغذاء هُما القضارف والجزيرة؟ قُل لي بربك كيف نُريد أن نكون أمة عظمى وخبرنا الرئيسي وصول (1200) طن قمح قد تكون صدقة أو دَينَا أو ربما يكون ثمنها قد تم جمعه من برندات السوق العربي (دولار.. ريال.. شيك سياحي!) ليدخل الجنيه السوداني العناية المُكثّفة ويرتفع التضخم فتصبح الحياة جحيماً لا يُطاق خاصةً للفقراء، كذلك الذي يقف أربع ساعات من أجل كيس رغيف.. كيف يصبح مثل هذا مُنتجاً أو حتى مُواطناً صالحاً؟ أي تقدُّم أو نهضة أو حتى سترة أو فضيلة نرتجيها في مثل هذه الظروف؟ أي دولة هذه التي نعيش فيها وهي تدفع أكثر من مليار دولار للقمح ومثلها للألبان وأغذية أخرى مع أنّ مواردها تقول إنّها سلة غذاء العالم؟!
(3)
إنّها السياسات المُتّبعة في بلادنا ومنذ أمدٍ هي التي أنتجت هذه المبكيات.. تلك السياسات التي غيّرت ذائقتنا الغذائية من الذرة إلى القمح المُستورد.. تلك السياسات التي تدعم زارع القمح في أستراليا وكندا وتحرم منه المُنتج المحلي.. تلك السياسات تأخذ مال الدولة من المُواطن الريفي الذي لا يأكل رغيفة القمح لتدعم به رغيفة مُواطن المدينة في الخرطوم ومدني والقضارف.. تلك السياسات التي جعلت رغيفة القمح المُشترى بالدولار الذي يُعادل أكثر من ثمانين جنيهاً سُودانياً لتكون تلك الرغيفة أرخص من كسرة الذرة المُنتج محلياً!!
من الآخر، إنّ ما يُسمّى دعماً لرغيفة القمح ما هو ظلمٌ تُمارسه الدولة بأخذها أموال المُنتجين أو الصدقات القادمة للسودان وإعطائه لسُكّان المُدن لتنصرف ذات الدولة عن الإنتاج!!
غداً إن شاء الله نتوغّل في المَوضوع أكثر ونَبدأ ذلك باستعراض ما قدّمه الدكتور أمين عبد اللطيف رئيس مجموعة شركات التجارية الوسطى من مُقترحاتٍ لإزالة هذه التشوُّهات، لا بل هذه المظالم.. فكُونوا معنا إن شاء الله.

اترك رد