حاطب ليل ||د.عبداللطيف البوني

لن يحكمنا إلا البنك الدولي!

(1)
حيا الغمام ذكرى تلك الأيام التي كُنّا فيها شباباً نواضر (لا ندري بما كان الزمن ضامر) كما تقول أغنية الحقيبة، حيث أشرخت حلاقيمنا بالهتاف (لن يحكمنا البنك الدولي)، ولم يكن ذلك تأثراً بأدبيات اليسار العامة فحسب، إنما بالاطلاع على دراسات متعمقة خاصة بالسودان كان يقدِّمها أساتذة لنا أفذاذ مثل الراحل البروفيسور محمد هاشم عوض والبروفيسور علي عبد القادر أمدّ الله في أيامه ونفعنا بعلمه.
كان يقال لنا إنّ هتافكم ينبغي أن يُوجّه ضد صندوق النقد الدولي التوأم السيامي للبنك الدولي، لأنّ هذا الأخير ود ناس ويعطي القُرُوض طويلة الآجال ذات الأرباح الاسمية وفترات السماح الطويلة، فنقول لهم إنه لا يفعل إلا بشهادة حسن سير مالي وسلوك اقتصادي من الصندوق صاحب (الروشتة الرهيبة) التي ما تعاطتها دولة من دول العالم الثالث إلا وزاد فقرها وغطّس حجرها!!
(2)
مثل كثير من دول العالم الثالث، لم يصمد السودان أمام ضغوط الصندوق والبنك إياهما، حيث كان 1975م عام الانكسار وقدّم وزير المالية يومها السيد بدر الدين سليمان للصندوق أكثر مِمّا يطلب (من ديك وعييك)، وهَاك يا انبراش وهَاك يا تدهور في الأوضاع الاقتصادية، ويتمظهر ذلك بصورة جلية في قيمة العُملة السودانية، ثم كان مطلع التسعينات حيث تناول السودان الوصفة المُركّزة دون أن يطلبها منه أحدٌ وحتى شوية المُسهلات التي يُقدِّمها البنك والصندوق كان محروماً منها، ومع هذا الانبراش التلقائي وبمرور الزمن نسينا هتاف (لن يحكمنا البنك الدولي)، إذ لم يقل به بل ولم يسمع به أحدٌ من شباب ثورة ديسمبر المجيدة، ولم يرد له ذكرٌ في أشعار حِمّيد والقدال وأزهري الثورية الماتعة، لا بل جاءت حكومة الثورة في معظمها من أحباب البنك الدولي والمُؤسّسات الرديفة له، ووزير ماليتنا الذي كان مُوظّفاً كبيراً بالبنك الدولي شخصياً استعان بأصدقائه الخبراء منه، ونحن الآن (واقعين) للبنك الدولي في (عبه)، ولسان حالنا عاش البنك الدولي!
(3)
بشّرنا السيد وزير المالية بأن ميزانيته القادمة لن يكون فيها دعمٌ سلعيٌّ، بل هناك مبلغٌ سوف يُصرف للأفراد المُستهدفين، وأن هذه الأموال لن تأتي من إنتاج محلي، بل من مُساعدات دولية وهذا يعني أنه لن يكون هناك دعمٌ تنمويٌّ أي شغل إنساني وكدا.. ولم يُبشِّرنا بأنّ الدولة سوف تعود لقطاع الخدمات بقوةٍ، ووزيرا التربية والصحة يبكيان حتى فقدا (سوائل) وستكون الأيام القادمة النجم فيها وزارة العمل، لأنّها المسؤولة عن الضمان الاجتماعي وكدا.. والعلاج سيكون بعيداً عن الإنتاج إنما بـ(عطية مُزين) وهكذا سوف نصبح من أحباب البنك الدولي ونتناول روشتة الصندوق دُون أن يكتبها لنا، ودُون أن يعطينا السيد الدولي عشرات المليارات من الدولارات التي أعطاها لجيراننا في الشمال والشرق ولسان حاله (ما كفاية أدّيناكم عون فني)!
أما القروش التي سوف تُصرف (حديدة) أشارطكم من هسِّي بأنّها لن تكون علاجاً نافعاً، هذا إذا لم تضر (فال الله ولا فالي) وأبشر بطُول سَلامة يا فقـر..!

اترك رد