حاطب ليل ||د.عبداللطيف البوني

قراءة ثانية

(1)
أجرى موقع قناة “الجزيرة”، استطلاعاً للرأي العام في الأسبوع المُنصرم لاستبيان مَدَى شعبية حكومة الثورة الحاكمة الآن في السودان، فجاءت النتيجة أنّ فوق الثمانين في المائة غير راضين عن أداء الحكومة، ثم أجرى ذات الموقع استطلاعاً لنفس الرأي العام في مطلع هذا الأسبوع لاستبيان مَدَى ترحيب المُواطنين بقانون تفكيك النظام السابق الذي صَدَر الخَميس المَاضي، فكانت النتيجة أنّ فوق الثمانين في المائة قَد رحّبوا بهذا القانون.
وفي تقديري، كمعايشٍ لهذه الأحداث ومُراقبٍ لها، إنّ نتيجة الاستطلاعيْن كَانت صَادقة في تَعبيرها عن الواقع، والتناقُض الظاهري يثبت هذه الصدقية، كما أنّ النتيجة تثبت حيوية الرأي العام السوداني الفائقة وقابليته للتحوُّل مع اتّجاه الريح وعدم الاستعصام بأعمدة الاِستقطاب، وفي هذا تَنبيهٌ مُهمٌ للذين يُديرون دفّة العمل السِّياسي في البلاد، فهذه واحدةٌ.. أما الثانية إن هذيْن الاستطلاعيْن يُتيحان فُرصة لقراءات مُتعدِّدة ومن خلالها يُمكن أن التّكهُّن بمآلات المُستقبل.
(2)
أن يكون الشعب السوداني راضياً عن قانون تفكيك النظام السابق فهذا أمرٌ طبيعيٌّ، لأنّ النظام السابق لم يترك للشعب فُرصةً إلا أن يَرفضه، فخطاياه أقرّ بها القائمون عليه لدرجة اعترافهم أنّ هذه الثورة الديسمبرية كانت ظُرُوفها المَوضوعية أوضح ما تكون.. المُهم الآن أنّ هُناك حُقُوقاً يجب أن تُسترد، وأنّ هُناك عقاباً يجب أن يطال من أفسد.
أمّا الاستطلاع الأول، فإن سُوء أداء الحكومة الحالية يتمظهر للناس في قضاياهم اليومية التي في حالة تأزُّمٍ مُستمرٍ!!
بطبيعة الحال ليس المطلوب من حكومة الثورة إصلاح ما تمّ إفساده في ثلاثة عُقُود في هذه الأشهر الثلاثة، ولكن المطلوب منها البدايات الصحيحة فقط.. مطلوبٌ منها في المرحلة المُبكِّرة أن تعطي الأمل ليتمسّك به الشعب حتى ولو زادت المُعاناة في البداية، ولكن هذا لم يَحدث باعتراف قادة الحُرية والتغيير أنفسهم، وأن عزوا ذلك لسُوء أداء بعض الوزراء، ولكن المسألة ليست مسؤولية الحكومة وحدها..!
(3)
سوف تخطئ كثيراً حاضنة الحكومة (ق ح ت) إذا ظنّت أنّ نتيجة الاستطلاع الثاني بمثابة هدف التعادُل لنتيجة الاستطلاع الأول.. نَعم الشعب يُريد كنس آثار النظام السابق بالقانون، ولكن هذا لا يعطي (ق ح ت) “كارت بلانش” لإهمال قضاياه الحيوية فتجعل هَمّها هو التّضييق على أفراد النظام السّابق من أجل المَزيد من الشّعبية، بعبارةٍ أُخرى تفشل في إدارة البِلاد وتَهرب من هذا الفشل بمُحاربة السّابقين لها.. فالنظام السّابق قد مات وشَبِعَ موتاً ولَن يَخرج مِن قَبره قبل يوم القيامة، وقد قال الشعب كلمته فيه ورحّب بتصفيته عن طريق القانون، فأيِّ مُحاولة للتضييق على الأفراد بغير القانون سوف يكون مَدخلاً لفَوضى قد تلحق بلادنا دول المَوجة الأولى من الربيع العربي، فالأفراد في السودان لديهم حَواضن اجتماعية لا مَثيلَ لها في بلدانٍ أُخرى، لذلك أفلح قانون التفكيك بترك أمر مُعاقبتهم للدولة.
عليه، على الحكومة وحاضنتها السِّياسيَّة (ق ح ت) أن تنصرف للعمل النافع، لأنّ فشل هذه الحكومة – لا سمح الله – إذا حَدَثَ فإنّ نتيجته سوف تتعدّى (ق ح ت) لتقع على يَافوخ الشّعب وتلحِّق بلادنا أمّات طَه!!
وهُناك قِراءة أُخرى فَخلِّيكم معنا إن شاء الله.

اترك رد