أخبار سوق عكاظ

Bank of Khartoum Visa Card

وترجّل الفارسٌ حكيم الأمة عن صهوة جواده

د.حافظ جادالله

العظماء منذ بدء الخليقة خالدون، وعندما يرتحلون تنطفئ منارة كبرى كانت ترسل إشعاعات تضيء لهم عتمة طريقهم وطريق غيرهم وإن غيّب الموت حضورهم الجسدي، إلّا أنّهم تركوا بصماتهم على جدران الحياة لتصبح خالدة لا تنسى والإمام الصادق حفيد المهدي من طينة هؤلاء العظماء، لقد ألهمت سيرته النضالية المؤرخين، لأنه كتب اسمه بمداد الفخر في صفحات التاريخ، وكأن التاريخ اختار أن يحيا به، وإن حاولت تصوير مناقبه يعجز القلم ويتلعثم اللسان عن وصفه وتتلاشى الكلمات من إعطاء حق هذا الفارس الذي امتطى جواده شاباً يافعاً انتهل الحكمة من سلفه الصالح, فارسُ أجمع أنصاره ومعارضوه على أنّه كان رجلاً حكيمًا مثاليًّا، يتحدّث بهدوء، ويناقش بموضوعية، ويتكلّم بمنطق وكان نعم الأخ، ونعم الصديق، ونعم الناصح.. يقدّم النصيحة عندما تُطلب منه، ويُقدم المساعدة عندما يشعر بمن يستحقها.كان -رحمه الله- يدافع عن حياض الدِّين، ويذب عن عرض إخوانه عفيفًا تقيًّا، ينتقي طيب الكلام، ويعبّر بالحسن من القول، ذاكرًا لله، شاكرًا صابرًا بشوشًا خلوقًا، يذكّرنا بأفعاله بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن» …وكان باذلاً للمعروف لمَن يعرف ولمَن لا يعرف, أوتي الحكمة والرصانة في زمن قحط الرجال، وندرة الأبطال، أبطال ساحة تزكية النفس، لقد رسم منذ الصغر دربه الفكري والسياسي بحرص وعناية، واختط طريقه على هدي الأمانة، وراح في سير وسلوك فريد، يشعرك بأنّه ليس من الذين خدعتهم الدنيا بغرورها وباعوا دينهم بدنياهم واستسلموا للشهوات وأرتهنهم المال واستحوذ عليهم حب الجاه والمقام وغلبهم الطمع في النفوذ والسلطة وصرعتهم الشهرة وأسقطتهم الأضواء, لقد أفنى عمره كله منافحًا ومدافعًا عن الديمقراطية والحرية وعاملاً من أجل عزة وكرامة شعبه وقد شارك بفعالية في معارضة نظام عبود كما كان من أوائل المنادين بضرورة الحل السياسي لمسألة الجنوب، حيث أصدر كتابه “مسألة جنوب السودان” في إبريل 1964م، وحين اندلعت ثورة أكتوبر 1964م اعتبرها المهدي نقطة انطلاق لتغيير الأوضاع وقد نجحت مساعيه في توحيد جميع الاتجاهات السياسية في السودان وفي جمعها خلف قيادة الأنصار وقاد موكب التشييع وأمّ المصلين في جنازة الشهيد القرشي، وكان ذلك هو الموكب الذي فجر الشرارة التي أطاحت بالنظام. وفي الديمقراطية الثانية انتخب رئيسًا لحزب الأمة في نوفمبر 1964م، وبعد وصول النميري إلى السلطة اعتقل على إثرها الصادق المهدي في يونيو 1969 بشرق السودان ثم نفي إلى مصر ثم أرجع لسجن بورتسودان معتقلاً حتى مايو 1974. وكتب خلال هذه الفترة: “يسألونك عن المهدية وفى سبتمبر 1983م أعلن النظام المايوي الثورة التشريعية، التي اعتبرها السيد الصادق المهدي أكبر تشويه للشرع الإسلامي، وعقبة في سبيل البعث الإسلامي في العصر الحديث، وجاهر بمعارضتها، فاعتقل في سبتمبر 1983م وأطلق سراحه في ديسمبر 1984م,فخرج يقود المعارضة للنظام من الداخل ويتناغم مع الغضبة الشعبية التي أثمرت ثورة رجب/إبريل 1985م.وبعد نجاح ثورة إبريل 1985 تشكلت حكومة انتقالية وانتخب السيد الصادق رئيسًا للوزراء .وفى انقلاب الإنقاذ اعتقل الصادق المهدي في 7/7/1989م. وحبس في سجن كوبر حتى ديسمبر 1990 ، كتب شهادته عن فترة حكمه: كتابه عن “الديمقراطية في السودان عائدة وراجحة”. رفع راية الجهاد المدني مما عرضه للتحقيقات المطولة والاعتقالات المتوالية واعتقال “المائة يوم ويوم” من مايو إلى سبتمبر 1995 ، فهاجر فى عملية “تهتدون” سراً في ديسمبر 1996 قاصداً إرتريا. وبدأ أكبر حملة دبلوماسية وسياسية شهدتها تلك المعارضة منذ تكوينها في أول مايو 1999م استجاب للتفاوض مع النظام وتم لقاء جيبوتي واتفاق نداء الوطن .في 23نوفمبر 2000 عاد للبلاد في عملية أطلق عليها اسم “تفلحون”، وذلك للقيام بالتعبئة الشعبية والتنظيم الحزبي والتفاوض مع النظام والاستمرار في الاتصالات الدبلوماسية اعتقل في 16 مايو2014م بسبب حديثه عن الفظائع التي ترتكبها قوات الدعم السريع في دارفور ووجهت له تهماً تصل عقوبتها للإعدام، ولكن نظام البشير رضخ لضغوط كثيرة داخلية وخارجية فأطلق سراحه في يوم الأحد 15 يونيو 2014.في 2014/8/8م وقع باسم حزب الأمة مع الجبهة الثورية السودانية إعلان باريس الذي كان اختراقاً في الساحة السياسية السودانية بإجماع الفصائل المقاتلة على أسس الحل السوداني التي تنطوي على وسيلتين هما الحوار باستحقاقاته أو الانتفاضة السلمية باستبعاد الحل العسكري، والإجماع على وحدة السودان تحت أسس جديدة عادلة .ظل بعدها متنقلا بين عواصم العالم للملمة شتات القوى السياسية المعارضة لنظام الإنقاذ قبل أن يعود في العام 2017 ويبقى هنا في الداخل على رأس عملية التنسيق بين الأحزاب والقوى المعارضة لنظام الإنقاذ وحين اندلاع الثورة في ديسمبر من العام 2018 كان حزب الأمة القومي من أوائل الموقعين على إعلان الحرية والتغيير ضمن الائتلاف الذي قاد الثورة التي أسقطت نظام البشير في إبريل2019.
دفعت أسرة الصادق المهدي عبر تاريخها تضحيات هائلة، بدءاً من الاعتقالات المتكررة لعميدها الإمام الصادق، وتشريده في المنافي الاختيارية، إلى ملاحقة الأسرة واضطهادها في عصور الشموليات نظامي النميري والإنقاذ، فقد اعتقل السيد الصادق وجرت محاولات لاغتياله وتصفيته جسدياً، كما تعرض منزله للاقتحام، وحملات الاغتيال المعنوي عبر الحملات الصحافية والفبركات والشتائم، وعاشت الأسرة ظروفاً رديئة جداً خلال هذه التجارب.وفي خضم هذا المد الكاسح والسيل الجارف، الذي استلب واقعنا وصار سمة سياسية فى زماننا، بقي الإمام الصادق قامه صامدة بين ركام وبقايا الأخلاق المندثرة المضيعة، وأطلال أماني المدينة الفاضلة…صمد الإمام الصادق وعلَت نفسه، وحلّقت في السماء همّة، وبلغت في المجد قمة… غير مكترث ولا مبال عن الكلام في زمن المصائب الفجائية سواء كانت في المنزل أو في ساحات النضال، سواء كان طليقاً أو بين جدران السجن يغالب القضبان, متمسكاً بثوابته لا منصب سياسي دون انتخاب رغم الإغراءات. أيها الصادق المصدوق لقد انتصرت على الموت في كل مرة حاول فيها الانتصار عليك من ربائب الأنظمة الشموليه فأسرعت كلمح البصر فانتقلت من حياة إلى حياة ، أنت حي في آمال الجماهير وفي عزيمة الشباب، وتطلعات الأجيال. وبعد معاناة مع المرض، يفارقنا صاحب القلب الكبير، وترك في قلوب شعبه حرقة، وشوقاً، ممن أحبهم فأحبوه، وبادلهم المودة فبادلوه، فقد كان طرازاً فريداً من الرجال، وعندما سيكتب التاريخ عن رجل ينتظره، فسيكتب عن صاحب مشروع الإصلاح، وتقديم المبادرات، الذي قاده منذ سنين عدة، فقام بوضع خرائطه، ورسم خططه، بآليات متنوعة، وتقديرات متوقعة، من أجل رعاية شعبه بغطاء شامل، وهب جهده وعمره لخير بلده، والتصدي لكل عمل يعيق مسيرته . رحل بعد أن ترك لنا احترامه لمواقفه، التي سيذكرها القاصي والداني، بمداده المنساب، وسيقرؤه العالم حين كتب في قلوب محبيه شهادة وفاء بعمق مجاهداته ، ونهجه الإصلاحي، ومسيرته الرائدة، التي أوصلته بشهادة المنصفين، لأن يكون حكيما للزعماء.عزاؤنا فيك أيها الإمام الصالح، أن الموت حق، وأنه وإن رحلت عنا بجسدك، فستظل ذكراك الحميدة في ألسنتنا، ومخيلات أفكارنا؛ ولتهدأ روحك الطاهرة، وفكرك النير، وابتسامتك العطوفة؛ لأننا سنقف أمام التاريخ الذي كتبته بحكمتك، وحنكتك السياسية، وبأقوالك، وأفعالك, وستلهج ألسنتنا بالدعاء، وسنذرف الدمع في وداعك حزناً على فقدك. فإلى الله نحتسبك والله نسأل: أن يعوضنا في فقدك خيراً، وأن تمطر ضريحك شآبيب رحمته، وأن يجعل الفردوس مقرك،

Leave A Reply

Your email address will not be published.