أخبار سوق عكاظ

Bank of Khartoum Visa Card

ومضات من حقيبة الذكريات (13)

د.حامد فضل الله \ برلين

صلاح وفاطمة أحمد إبراهيم
تعرفت على صلاح أحمد إبراهيم مبكراً، في منتصف خمسينيات القرن الماضي، ونحن في فورة الشباب، وعندما كان صلاح ينشط في تكون فرع لاتحاد الشباب السوداني في منطقتنا (ود ارو وبيت البنا)، ثم عاصرته لفترة قصيرة في جامعة الخرطوم، فقد كان هو في نهاية دراسته وانا في بدايتها. وفرقتنا السبل، لنلتقي من جديد، عندما ترك المنصب الرفيع كسفير لبلادنا في الجزائر، احتراما لنفسه وصيانة لكرامة أسرته ليعيش في البداية حياة قاسية في باريس. كان اللقاء يتم عن طريق الهاتف، ويرسل لنا صحيفته ” البديل”، ويشارك تكرماً منه، بالكتابة في مجلتنا المحلية البرلينية” “السودان”. لقد كنت فرحاً، عندما أسر لي بخبر عزمه على إصدار ديوان جديد بعنوان “غابة الأبنوس وقصائد أخرى”، وكنت سعيداً، أن أكون ضمن المجموعة النبيلة، للتمكين من إخراج الديوان بالصورة التي تمناها شاعرنا الكبير. وقد كتب المقدمة بكثير من المحبة أديبنا المبدع الطيب صالح وصمم الغلاف واللوحات الداخلية الفنان والخطاط الرائع عثمان وقيع الله.
ــ تعرفت على فاطمة أولاً بطريق غير مباشر عندما بدأت نشاطها الخلاق، كرائدة للعمل النسوي وعبر كتاباتها في صحيفة (صوت المرأة) وعبر شقيقها صلاح، فكانت فاطمة تزوره دائماً في باريس وكنا نتحدث هاتفياً. أما اللقاء المباشر فقد تم عندما نالت جائزة ابن رشد للفكر الحر في برلين عام 2006.
عندما تم الإعلان بفوزها وجدنا صعوبة في تبليغها، فهي كالطير المهاجر متنقلة بين عواصم المدن، محاضرة أو مشاركة في ندوة، وكان الوقت ضاغطاً لقرب ميعاد الاحتفال وطلبنا منها إرسال كلمتها ليتسنى لنا ترجمتها إلى الألمانية، فأرسلت لنا عن طريق البريد 15 صفحة من الحجم الكبير، سهرنا عثمان سعيد وأنا حتى اختصرناها إلى ست صفحات. عند يوم الاحتفال وفي طريقنا إلى القاعة بعد المؤتمر الصحفي والذي شارك فيه الدكتور إسكندر الديك الإعلامي المعروف، ممثلاً لصحيفة الحياة اللندنية، قلت لها:
بعد أن سلمتها النسخة المختصرة، لا بد من الالتزام بالزمن، فردت ضاحكة. “ناس السودان قالوا ليك فاطنة ما بتسكت ولا تلتزم بالوقت، لا تخشى ذلك”. وضعت النص أمامها. قرأتْ الصفحة الأولى ثم قلبت الصفحات على البياض وانطلقت تتكلم ارتجالاً، فكان كلامها المرتجل أجمل وأروع مما في النص، وهذا انعكس في الوقوف والتصفيق الحاد.
أقمنا في برلين في سبتمبر 2018 في الذكرى السنوية الأولى لرحيلها، ندوة كبيرة، بمشاركة واسعة من الأصدقاء العرب والألمان، وتقديم مداخلات من رفيقات فاطمة من العراق وفلسطين ولبنان.
يكتب الطيب صالح في رائعته “مريود”
“… فشهق ضوء المصابيح على حافة القبر، دفناها عند المغيب، كأننا نشتل نخلة، أو نستودع باطن الأرض سراً عزيزاً، سوف تتمخض عنه في المستقبل بشكل من الأشكال”. ولمع الشعاع على سعف النخل الندي، ووهج النوار في حدائق البرتقال”.

صلاح وفاطمة، كلاهما خِبرا عسف السلطة ومرارة الغربة وقسوة المرض اللعين وتوفيا خارج الوطن.
ويقول صلاح في قصيدته ” نحن والردى “:
آخرُ العمرِ، قصيراً أم طويلْ:
كفنُ من طرفِ السوقِ وشبرُ في المقابرْ
رُب شمسٍ غرُبتْ والبدرُ عنها يُخبرُ
وزهورٌ تتلاشى وهي في العطر تعيش
نحن أكفاءُ لما مر بنا، بل أكبرُ
تاجُنا الأبقى وتندك العروشْ
ولمن وَلًّى حديثٌ يؤثُر
ولمن وَلًّى حديثُ يذكرُ

ــ حاشية
لقد قمتُ أيضاً، بنشر كتاب الدكتور عبد الغفار محمد أحمد الموسوم “السودان والوحدة في التنوع، تحليل الواقع واستِشراف المستقبل”. جاء في كلمة الناشر: …السودان، هذا البلد الإفريقي العربي ــ المترامي الأطراف، المتعدد الجنسيات والديانات والألوان ــ الذي كان يحدوه الأمل في أن يكون الوعاء الذي تتفاعل فيه الثقافة العربية والثقافة الإفريقية ــ أخذ وعطاء ــ وأن يكون المثل الذي يحتذى في التعايش السلمي والتسامح الديني ــ تعصف بوحدته الآن، الكيانات القبلية والعرقية والإقليمية… واهمون أولئك الذين يريدون أن يعيدوا عجلة التاريخ إلى الوراء. ليس أمامنا إلا استقراء التاريخ والنظرة الموضوعية والعقلانية لمشاكلنا الداخلية ومشاكل العصر…يأتي كتاب عبد الغفار في الوقت المناسب، كمشاركة جادة في الحوار الهادئ، العلمي والعقلاني، الذي يدور بين كل المخلصين من أبناء الشعب السوداني، بعيداً عن المهاترات السياسية والنظرة الحزبية الضيقة والطموحات الشخصية الزائلة. ونحن نقدم هذا الكتاب القيم، كمساهمة منا، رغم إمكاناتنا المادية المتواضعة، من أجل خدمة التقدم والوحدة. وفي الوحدة تكمن القوة.
برلين الغربية ــ 1987
صدر الكتاب (الطبعة الأولى) عن دار المكتبة العربية \ برلين وصمم الغلاف الفنان التشكيلي الفلسطيني الفذ إبراهيم هزيمة.
*(لقد تعرفت على عبد الغفار شخصياً، بعد عدة سنوات، عندما جاء إلى برلين، مشاركاً في إحدى ندوات مؤسسة فريدريش ايبرت).
ــ حاشية
حامد الهندي*
ــ تم اختياري وتكليفي كمشرف ومراقب في أحد مراكز الاقتراع في محلية نوي كولن، أثناء الانتخابات لدورة جديدة للبرلمان الألماني (البندستاج). وضع لي ثلاثة معاونين من المدرسين. حضرنا مبكراً للقاعة استلمنا المستندات وتأكدنا من صناديق الاقتراع الفارغة. منذ البداية، كان الزحام شديداً، للمنافسة الحادة بين الحزب الاتحادي الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الاجتماعي. وقفت أمامنا امرأة كبيرة السن، تسند نفسها بعكاز. ناولتها أوراق الترشيح، تطلعت في وجوهنا، ثم ركزت نظرتها عَلَيَّ، وقالت، ما اسمك؟ فأجبتها ضاحكاً وبعفوية، سوكومارسن! رفعت حاجبيها، وتمتمت بكلمات لم استبن منها إلّا الأخيرة ” يا إلهي!”، واختفت خلف كابينة الاقتراع.
*سوكومارسن من الهند كان رئيس لجنة الانتخابات المكونة من ثلاثة سودانيين وعضو مصري وعضو بريطاني وعضو من الولايات المتحدة الأمريكية – وذلك للإعداد والإشراف على الانتخابات العامة للبرلمان في السودان، وفقاً لاتفاقية السودان المبرمة في القاهرة في الثاني عشر من فبراير 1953 بين الحكومة البريطانية والمصرية. والآن بعد سنوات طويلة يشرف ويراقب سوداني على الانتخابات البرلمانية في ألمانيا العريقة!
في حضرة الفن والأدب
ـــ جلست في مكاني الأثير في مقهى إنشتاينبلاتس، المقابل للكلية العليا للفنون الجميلة. وكنت ألحظ مراراً رجلاً ستينياً، فارع القامة قمحي اللون، يجلس دائماً وحيداً في ركن قصي، يتطلع بإمعان في وجوه رواد المقهى، بصورة تثير الشكوك والالتباس. يحيه النادل باحترام وأدب جم ويحضر له مباشرة كوباً من الجعة مصحوباً بفنجان قهوة. التقيت به ونحن نحتفل بالشاعر الفلسطيني سميح القاسم أثناء زيارته إلى برلين (1996). كان يجلس قبالتي، فيا فرحي، فقد كان جليسي الرسام السوري العالمي مروان قصاب باشي والأستاذ الدائم لمادة الرسم في الكلية العليا للفنون الجميلة في برلين. لقد اشتهر ونبغ في رسم وجه الإنسان وهى مجازفة وتجربة مثيرة لكشف ومعرفة أسراره. كان يتحدث بهدوء وتواضع شيمة كل فنان أو عالم أصيل.
أهداني كتابه الرائع ” رحلة الحياة والفن”، بالاشتراك مع صديقه الأديب المبدع عبد الرحمن منيف. لقاء بين مبدعين بارزين قادمين من فنين مختلفين ظاهراً، متحدين جوهراً ــ أحدهما يكتب بقلمه والآخر يرسم بريشته ــ إنه لقاء يجسد العلاقة العميقة بين الأدب والفن.
لقد توثقت علاقتي مع مروان، وكنت أزور كل معارضه في برلين وخارجها، و نلتقي في مرسمه بحضور بعض الأصدقاء، وكان يكشف لنا أسرار الألوان ويشرح لنا، عندما نقف حيارى أمام لوحاته التجريدية ويستعصي الفهم.وقد أهداني كتابه، الذي صدر في عام 2012 بعنوان (في أدب الصداقة) والكتاب يحتوي على الرسائل الحميمية المتبادلة بينه وبين صديقه عبد الرحمن منيف، ويضم رسالة لعبد الرحمن مؤرخة في فبراير 1997. “زارني يوم السبت عدد وفير من المقيمين العرب في برلين مع بعض الزوجات وبعض الأطفال، وتكلم حامد فضل الله من السودان ربع ساعة أو أكثر عن الكاتب والكتاب والرسام وما بينهما. وهو مثقف من السودان ومتحمس لقضايا الفكر والأمة ومطلع أيضاً”. سعدت كثيراً بهذه الشهادة، التي تُوثق في كتاب يصدره فنان ورسام عالمي وروائي عربي كبير.
*بعد أربعة وأربعين عاماً من العمل المتواصل علقت سماعة الطب في الشماعة، بكمال التوفيق والراحة النفسية والرضا الداخلي وحسن الختام.
أنني أكتب عن تجربة شخصية وعن شخصيات التقيت بهم على درب الحياة وربطتني بهم علاقات وطيدة وحميمة أعتز بها، بعضهم الآن في رحاب الله يرقدون في مثواهم الأخير في أمان وبعضهم لا يزال على قيد الحياة يواصلون النضال كل على طريقته وحسب رؤياه من أجل مستقبل واعد وزاهر للوطن، وبما أنني أكتب عن فترة طويلة وكغالبية المثقفيّن السودانيين من الذاكرة فأنبه منذ البداية وأطلب المعذرة إذا ما برزت ثغرات في السرد أو خلط في الأسماء أو السنين.

Leave A Reply

Your email address will not be published.